Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار

بيان حمد بن عيسى: تكريس قاعدة الصوت الواحد وسقوط ما تبقى من توازن السلطة

كشف البيان الأخير الصادر عن حمد بن عيسى آل خليفة عن تحوّل نوعي في بنية الحكم داخل البحرين بتجاوز تغوّل السلطة التنفيذية إلى إعادة صياغة المشهد السياسي على قاعدة الصوت الواحد، بما يلغي فعلياً فكرة الدولة بمفهومها المؤسسي الحديث.

ويظهر البيان، في مضمونه وتوقيته، كخطاب يتجاوز السياق الطبيعي لرئيس دولة، بحيث لا يكتفي بتحديد توجه سياسي، بل يفرض رؤية أحادية تُقصي أي مساحة للاختلاف، في تكريس مباشر لمعادلة “لا أريكم إلا ما أرى”، وهي معادلة تختزل الدولة في شخص الحاكم وتُفرغ مؤسساتها من مضمونها.

وترافق هذا الخطاب مع تحرّك منسّق داخل أجهزة الدولة، حيث طُلب من وسائل الإعلام الرسمية والنخب الحكومية وأعضاء البرلمان والوزراء إصدار مواقف داعمة ومضخِّمة لمضمون البيان، في مشهد أقرب إلى التعبئة القسرية، مع مؤشرات على ضغوط وتهديدات ضمنية بحق من يتخلّف عن الاصطفاف.

ويعكس هذا السلوك انتقالاً من إدارة المجال العام إلى احتكاره، حيث لم يعد مطلوباً فقط الالتزام، بل إعلان الولاء العلني، ما يكشف طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة إخضاع لا شراكة.

ويتمثل أخطر ما في البيان في إلغاء فعلي لمفهوم الدولة عبر تحييد السلطات الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، وهي الركائز التي تقوم عليها أي دولة حديثة. فمبدأ الفصل بين السلطات، الذي يُفترض أن يضمن التوازن ويمنع الاستبداد، جرى تجاوزه لصالح مركزية القرار في دائرة ضيقة من السلطة.

وفي هذا السياق، برزت مسألة إسقاط الجنسية كأداة سياسية، حيث جرى تجريد عشرات المواطنين من جنسيتهم بقرارات إدارية، دون مسار قضائي واضح، ما يعني تحويل حق المواطنة من حق أصيل إلى امتياز قابل للسحب وفق تقديرات السلطة.

ويكشف هذا الإجراء عن خلل عميق في بنية العدالة، إذ تم إقصاء السلطة القضائية بالكامل من النظر في قضايا تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، رغم أن هذه السلطة أصلاً لا تتمتع باستقلال كامل، ما يعكس خشية من أي مسار قانوني قد يعرقل هذه القرارات.

وفي المقابل، تعرضت السلطة التشريعية لتهميش واضح، حيث جرى استباق جلسات البرلمان بقرارات سيادية، ثم توجيه النواب لتمرير تعديلات قانونية تدعم هذه القرارات، في محاولة لفرض إجماع شكلي.

وعندما كسر بعض النواب هذا الإجماع، تم التعامل معهم بوصفهم خصوماً سياسيين، واتهامهم بالخيانة والعمل ضد مصلحة الدولة، ما يعكس ضيق هامش الاختلاف داخل المؤسسة التشريعية، وتحولها إلى أداة تصديق لا جهة رقابية.

ويشير هذا المسار إلى أن القرار السياسي لم يعد يُصنع داخل المؤسسات، بل في دوائر أمنية ضيقة، أصبحت تتحكم في مفاصل الدولة، وتدير المشهد عبر أدوات غير رسمية، مثل الحملات الإعلامية والضغط الإلكتروني.

وفي هذا الإطار، برز دور ما يُعرف بـ“الذباب الإلكتروني” في توجيه الرأي العام وصناعة الاتهامات، حيث باتت هذه المنصات تلعب دوراً موازياً للمؤسسات، عبر تحديد من يُدان ومن يُبرّأ، في مشهد يخلط بين السلطة الرسمية وغير الرسمية.

وتعكس هذه التطورات تحوّلاً من دولة المؤسسات إلى نظام يعتمد على الولاء الأمني والإعلامي، حيث تُختزل السياسة في إدارة الأزمات الداخلية عبر أدوات القمع والتخويف، بدلاً من بناء توافقات وطنية.

ويحذر مراقبون من أن هذا النهج يقوّض أسس الاستقرار على المدى الطويل، إذ يؤدي إلى تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، ويخلق بيئة سياسية هشة قائمة على الخوف لا المشاركة.

كما يطرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام السياسي، في ظل غياب التوازن المؤسسي، وتراجع دور القانون، وتحول المواطنة إلى أداة ضغط، بدلاً من كونها أساساً للانتماء والحقوق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

8 + اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى