مقصلة الجنسيات في البحرين: توسيع غير مسبوق لسلطة الدولة وتآكل الضمانات القانونية

يكشف الجدل المتصاعد حول قرارات إسقاط الجنسية في البحرين عن تحوّل عميق في طبيعة إدارة السلطة للملف السياسي، حيث تتجه الدولة إلى توسيع أدواتها السيادية على حساب الضمانات القانونية والمؤسساتية، في مسار يثير تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقة بين المواطن والدولة.
وتشير التطورات الأخيرة، وعلى رأسها إسقاط جنسيات عشرات المواطنين دفعة واحدة، إلى انتقال هذا الملف من نطاق الإجراءات القانونية القابلة للطعن إلى مستوى القرار السيادي غير الخاضع للرقابة القضائية، ما يعني عملياً إغلاق باب التقاضي أمام المتضررين، وتحويل الجنسية من حق قانوني إلى أداة سياسية قابلة للسحب.
ويُنظر إلى هذا التحول بوصفه انعكاساً لتراجع دور المؤسسات التقليدية في الدولة الحديثة، حيث تتقلص مساحة الفصل بين السلطات، وتُعاد صياغة مراكز القرار بشكل يضعها ضمن دوائر ضيقة، تتخذ قرارات ذات أثر مصيري دون رقابة أو مساءلة فعلية.
ويؤكد مراقبون أن إدراج قضايا الجنسية ضمن نطاق “السيادة” يفتح الباب أمام قرارات غير قابلة للطعن، ويمنح السلطة التنفيذية مساحة واسعة للتحرك خارج القيود القانونية المعتادة، بما يشمل إسقاط الجنسية دون مسار قضائي واضح أو معايير شفافة.
ويتقاطع هذا التوجه مع أنماط إقليمية مشابهة، غير أن خصوصيته في الحالة البحرينية تكمن في ارتباطه المباشر بالأزمة السياسية الممتدة منذ عام 2011، حيث بقيت العلاقة بين السلطة والمعارضة محكومة بمنطق أمني أكثر من كونها مساراً سياسياً تفاوضياً.
ولا يمكن فصل هذه الإجراءات عن الإرث الثقيل للأزمة الداخلية، إذ ترى قطاعات واسعة أن إسقاط الجنسيات يأتي في سياق إدارة الصراع مع المعارضة، التي لا تزال، رغم التراجع المؤسسي، تحافظ على حضورها في الشارع والمنصات الرقمية.
وعلى مدى أكثر من عقد، اعتمدت السلطة مقاربة أمنية لمعالجة الأزمة، شملت الاعتقالات، وتقييد العمل السياسي، وإضعاف الأطر التنظيمية، دون أن تنجح في إنهاء حالة التوتر أو إنتاج تسوية سياسية مستدامة.
وفي هذا السياق، يُقرأ قرار إسقاط الجنسيات كأداة إضافية ضمن هذه المقاربة، تستهدف إعادة رسم حدود المجال السياسي، عبر فرض كلفة عالية على أي شكل من أشكال المعارضة أو حتى التعبير النقدي.
ويأتي التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، خاصة في ظل التوترات المرتبطة بالصراع مع إيران، وما رافقه من إعادة ترتيب الأولويات الدولية.
ويرى محللون أن هذا المناخ الإقليمي يوفر هامشاً أوسع للتحرك دون ضغوط خارجية كبيرة، في ظل انشغال القوى الدولية بملفات أخرى، ما يقلل من احتمالات المساءلة أو التدخل الدبلوماسي الفعّال.
كما أن الخطاب الأمني المرتبط بالصراع الإقليمي يُستخدم، بحسب تقديرات، لتبرير إجراءات داخلية مشددة، عبر ربطها باعتبارات الأمن الوطني، حتى في الحالات التي لا تستند إلى أحكام قضائية واضحة.
وتثير هذه السياسات إشكاليات عميقة على مستوى القانون الدولي وحقوق الإنسان، إذ يُعد الحق في الجنسية من الحقوق الأساسية التي لا يجوز سحبها بشكل تعسفي، وفق المواثيق الدولية.
كما أن غياب المسار القضائي يضعف مبدأ العدالة الإجرائية، ويجعل الأفراد عرضة لقرارات لا يمكن الطعن فيها، ما يعمّق حالة عدم اليقين القانوني داخل المجتمع.
ويحذر مراقبون من أن توسيع استخدام هذه الأداة قد يؤدي إلى خلق مناخ عام من الخوف، يدفع المواطنين إلى مزيد من الانكفاء والرقابة الذاتية، ويقوّض الثقة بين الدولة والمجتمع.
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن البحرين تدخل مرحلة جديدة من إدارة المجال السياسي، تقوم على تقليص المساحات الرمادية، وتحويل الولاء السياسي إلى شرط ضمني للاستقرار القانوني والاجتماعي.
وفي ظل غياب قنوات سياسية فعالة، وتراجع دور المؤسسات الوسيطة، تبدو خيارات المعالجة محدودة، ما يطرح تساؤلات حول قدرة هذا النهج على تحقيق استقرار طويل الأمد في ظل الرفض الشعبي المتزايد لسياسات النظام الخليفي وقبضته الأمنية.




