البحرين بين السعودية والإمارات: ارتهان سياسي يهددها بعزلة خليجية خانقة

يدفع التقارب المتسارع بين البحرين والإمارات العربية المتحدة المنامة إلى موقع حساس داخل معادلة مجلس التعاون، في ظل تصاعد التنافس غير المعلن مع المملكة العربية السعودية، التي تمثل العمق الاستراتيجي والضامن الأمني الرئيسي للبحرين.
وقد جاء لقاء محمد بن زايد آل نهيان مع حمد بن عيسى آل خليفة في هذا السياق، حيث تناول الجانبان تعزيز التعاون الثنائي وتوسيع مجالات الشراكة الاقتصادية والسياسية، في خطوة تعكس توجهاً واضحاً نحو تعميق الارتباط مع أبوظبي.
ويكشف هذا المسار عن خلل بنيوي في السياسة الخارجية البحرينية، قائم على الارتهان المستمر للدعم الخارجي، سواء من الرياض أو أبوظبي، دون امتلاك أدوات توازن أو استقلال فعلي في اتخاذ القرار. ويضع هذا الواقع المنامة أمام معادلة صعبة، حيث يؤدي الانحياز لأي طرف إلى خسارة الطرف الآخر.
وتعتمد البحرين تاريخياً على السعودية في تأمين الاستقرار الداخلي، سواء عبر الدعم المالي المباشر أو المظلة الأمنية، ما يجعل أي توتر مع الرياض ذا كلفة مرتفعة سياسياً واقتصادياً. وفي المقابل، تمثل الإمارات شريكاً اقتصادياً واستثمارياً متنامياً، ما يدفع المنامة إلى محاولة الاستفادة من هذا التقارب.
لكن هذا التوازن الهش يواجه تحديات متزايدة مع تصاعد التباينات بين الرياض وأبوظبي في ملفات إقليمية واقتصادية، ما يضع البحرين في موقع الطرف الأضعف الذي لا يملك القدرة على المناورة.
ويبرز مراقبون أن البحرين لا تمتلك هامش قرار مستقل يسمح لها بإدارة هذا التوازن، بل تتحرك ضمن مساحة ضيقة تفرضها طبيعة اعتمادها على الدعم الخارجي. ويجعل ذلك أي انحراف في تموضعها السياسي عرضة لردود فعل قاسية من الأطراف الداعمة.
ويبرز هذا القيد بشكل خاص في ظل طبيعة الاقتصاد البحريني، الذي يعتمد بشكل كبير على المساعدات والاستثمارات الخليجية، ما يجعل أي ضغط اقتصادي محتمل من السعودية قادراً على إحداث تأثير مباشر وسريع على الاستقرار المالي.
في المقابل، لا يوفر التقارب مع الإمارات بديلاً كاملاً عن هذا الدعم، إذ لا تمتلك أبوظبي نفس الدور الأمني الذي تضطلع به الرياض في حماية النظام البحريني، وهو ما يعمق من حساسية الموقف.
ويعكس هذا الوضع نتيجة تراكمية لسياسة طويلة قامت على التبعية، حيث لم تسعَ البحرين إلى بناء أدوات قوة مستقلة، سواء اقتصادياً أو سياسياً، ما جعلها عاجزة عن اتخاذ مواقف سيادية في لحظات التحول الإقليمي.
واستمرار هذا النهج يضع البحرين أمام سيناريوهات معقدة، أبرزها احتمال التعرض لعزلة داخل مجلس التعاون في حال تدهورت العلاقة مع السعودية، أو فقدان جزء من الدعم الاقتصادي في حال تغيرت أولويات الشركاء.
كما يهدد هذا الواقع بتقويض قدرة المنامة على إدارة توازناتها الداخلية، في ظل ارتباط الاستقرار السياسي بشكل وثيق بالدعم الخارجي، ما يجعل أي تغير في هذا الدعم عاملاً ضاغطاً على الوضع الداخلي.
ويؤكد هذا المسار أن البحرين تواجه اختباراً حقيقياً في قدرتها على إعادة تعريف موقعها داخل المنظومة الخليجية، في ظل معادلات متغيرة لا تحتمل استمرار سياسة الارتهان التي ضيّقت خياراتها إلى حد الاختناق.




