Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مؤامرات وتحالفات

نخب بحرينية تعيد تشكيل الوعي لتمرير الانخراط في الصراع الإقليمي

يفرض التصعيد العسكري في الخليج، في ظل الحرب المفتوحة على إيران، واقعاً سياسياً معقداً يكشف خللاً عميقاً في دور نخب بحرينية حيث يغيب صوت المناصحة لصالح خطاب تعبوي يتماهى مع التحالفات الدولية ويبرر الانخراط في صراع إقليمي واسع.

ويبرز هذا التحول في وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أخطر مراحلها منذ عقود، مع تصاعد التوترات وتداخل الأجندات الدولية والإقليمية، ما يجعل أي قرار سياسي أو أمني عرضة لتداعيات واسعة قد تتجاوز حدود الدولة نفسها.

في هذا السياق، تتشكل داخل المشهد البحريني تيارات نخبويّة متباينة؛ تيار يحاول الدفع نحو التهدئة وتجنب الانخراط المباشر في الصراع، مقابل تيار آخر يتبنى خطاباً تصعيدياً يبرر الاصطفاف الكامل ضمن المحور الأمريكي الإسرائيلي.

وكان المفكر علي فخرو قد حذر من هذا المسار، مؤكداً أن الخلاف مع إيران في الملفات السياسية والأمنية أمر طبيعي، لكن الانخراط في تحالفات عسكرية ضدها يمثل تحوّلاً خطيراً في البوصلة الاستراتيجية والأخلاقية.

ويعكس هذا الطرح أزمة أعمق تتعلق بوظيفة النخب، التي يفترض أن تكون صمام أمان فكري وسياسي، لكنها في بعض الحالات تحولت إلى أدوات تبرير للسلطة، تتبنى روايتها بشكل كامل وتعيد إنتاجها في المجال العام.

وشهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في خطاب إعلامي وثقافي يبرر السياسات الرسمية، ويعيد صياغة القضايا الكبرى وفق رؤية أحادية، تتبنى سرديات خارجية وتقدمها باعتبارها ضرورة أمنية.

ويمتد هذا التحول إلى إعادة تعريف الخصوم والحلفاء، بحيث يُقدَّم التقارب مع إسرائيل كخيار استراتيجي، في مقابل تصوير إيران كتهديد مطلق، دون مساحة للنقاش أو التقييم الموضوعي. ويؤدي هذا النمط من الخطاب إلى إضعاف القدرة النقدية داخل المجتمع، وتحويل النقاش العام إلى مساحة مغلقة، تهيمن عليها لغة التخوين والاستقطاب.

في موازاة ذلك، يتصاعد استخدام أدوات التخوين ضد أي صوت معارض أو ناقد، حيث يتم ربط النقد السياسي باتهامات الولاء للخارج، ما يؤدي إلى تضييق المجال العام وإقصاء النخب المستقلة.

ولا يسمح هذا المناخ بوجود نقاش حقيقي حول السياسات، بل يخلق بيئة يخشى فيها الأفراد من التعبير عن آرائهم، خاصة في ظل إجراءات قانونية وأمنية صارمة.

وتؤدي هذه الديناميات إلى نتيجة واضحة: انسحاب الأصوات المعتدلة والعقلانية، وترك الساحة لخطاب أحادي يعزز التوجهات الرسمية دون مساءلة.

ويتزامن هذا التحول مع تصاعد الإجراءات الأمنية، التي تشمل الاعتقالات، والتضييق على الحريات، واستخدام أدوات قانونية للحد من النشاط السياسي والإعلامي في البحرين.

ولا يُنظر إلى هذه الإجراءات فقط باعتبارها رد فعل على تحديات داخلية، بل كجزء من بنية أوسع تهدف إلى ضبط المجال العام، ومنع أي معارضة قد تعرقل السياسات الإقليمية.

وفي هذا الإطار، يصبح القمع أداة لضمان تمرير خيارات استراتيجية كبرى، دون مواجهة نقاش داخلي قد يطرح بدائل مختلفة.

وتترافق هذه التحولات مع تصاعد الاعتماد على التحالفات الخارجية، خاصة مع الولايات المتحدة، في إدارة الملفات الأمنية والعسكرية.

وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قدرة بعض الدول على اتخاذ قرارات مستقلة، حيث تصبح جزءاً من منظومات أوسع تُحدد فيها الأولويات وفق حسابات دولية.

ويثير هذا الوضع تساؤلات حول مدى استقلال القرار السيادي، خاصة في ظل وجود قواعد عسكرية وتنسيق أمني مكثف مع قوى خارجية.

ويضع هذا المسار بعض دول الخليج لاسيما البحرين في موقع متقدم داخل الصراع، ما يزيد من تعرضها للمخاطر في حال توسع المواجهة. فمع تحول أراضي هذه الدول إلى منصات لعمليات عسكرية أو لوجستية، تصبح أهدافاً محتملة في أي تصعيد، وهو ما يرفع من كلفة الانخراط في الصراع.

وفي المقابل، يتم الترويج لفكرة “الحماية الخارجية”، رغم أن التجارب السابقة تشير إلى محدودية هذه الحماية في مواجهة التهديدات المعقدة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم دور النخب، واستعادة وظيفة المناصحة كأداة لتصحيح المسار، بدلاً من الاكتفاء بتبرير السياسات.

كما يتطلب الأمر فتح المجال أمام نقاش حقيقي حول الخيارات الاستراتيجية، بما يتيح للمجتمع المشاركة في تحديد أولوياته، بعيداً عن الضغوط الخارجية.

ويؤكد مراقبون أن الأمن الحقيقي لا يتحقق فقط عبر التحالفات العسكرية، بل من خلال تعزيز التماسك الداخلي، وبناء علاقة متوازنة بين الدولة والمجتمع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى