تصاعد السخط الشعبي في البحرين عقب اعتقال علماء شيعة

تصاعدت موجة السخط الشعبي في البحرين عقب اعتقال سلطات النظام الخليفي أكثر من 40 عالماً من علماء المسلمين الشيعة، في خطوة أثارت غضباً واسعاً واستنكاراً متصاعداً في الأوساط الشعبية والدينية، وسط تحركات احتجاجية متواصلة في عدد من المناطق تندد باستهداف الطائفة الشيعية.
وشهدت عدة مناطق بحرينية تحركات شعبية متواصلة، رفع خلالها المحتجون شعارات تندد بما وصفوه بسياسات الاستهداف الممنهج للطائفة الشيعية، معتبرين أن الاعتقالات الأخيرة تمثل تصعيداً غير مسبوق في التعامل مع الرموز الدينية والاجتماعية.
وفي سياق متصل، أقدمت السلطات على اعتقال الخطيب علي الجردابي بعد انتقاده اعتقال كبار علماء الطائفة الشيعية، في خطوة اعتبرها ناشطون دليلاً إضافياً على توسيع دائرة الاستهداف لتشمل الأصوات المنتقدة للحملة الأمنية.
وقد بدأت الاعتقالات الجماعية خلال الفترة التي تزامنت مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قبل أن تتصاعد بشكل ملحوظ فجر يوم السبت التاسع من مايو، حيث طالت أكثر من أربعين من أساتذة الحوزة العلمية وعلماء الدين الذين يلعبون دوراً بارزاً في مجالات الإرشاد الديني والإصلاح الاجتماعي.
وتتحدث الأوساط المعارضة عن دوافع غير معلنة تقف وراء هذه الحملة، معتبرة أن الأسباب الحقيقية لا تظهر في محاضر النيابة العامة، بل ترتبط بما تصفه بـ”أزمة وجودية” لدى أنظمة الحكم في الخليج، تفاقمت بعد ما تعتبره تراجعاً في فعالية الحماية الأمريكية في المنطقة، الأمر الذي انعكس، بحسب هذا الطرح، في استهداف شخصيات دينية لا صلة لها بالتهم الموجهة إليها.
وقبل تنفيذ الحملة الأمنية الأخيرة، أقدمت السلطات على خطوة أخرى أثارت جدلاً واسعاً، تمثلت في سحب جنسية 69 مواطناً والشروع في إجراءات ترحيلهم، في إجراء وصفته جهات معارضة بأنه تصعيد إضافي ضمن سياسة الضغط على فئات محددة داخل المجتمع.
في المقابل، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية أن الاعتقالات جاءت على خلفية ما وصفته بـ”كشف تنظيم مرتبط بـالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه”، مؤكدة القبض على 41 شخصاً مع استمرار الإجراءات القانونية بحقهم.
وأوضحت الوزارة أن التحقيقات تشير إلى وجود ارتباطات فكرية وتنظيمية، وهو ما تنفيه الأوساط المعارضة التي ترى أن هذه الاتهامات تكررت منذ أحداث عام 2011، حيث جرى توجيه تهم مماثلة لعشرات القضايا المرتبطة بالمعارضة السياسية والدينية.
وأضافت المعارضة أن الاتهامات هذه المرة شملت أيضاً الترويج لفكر “ولاية الفقيه”، معتبرة أن هذا التوصيف يُستخدم لتبرير استهداف الصف الأول من علماء الشيعة، في ظل ما وصفته بتمهيد رسمي سابق عبر خطاب “تجريم ولاية الفقيه”.
وتبرز في سياق الحملة الأمنية الحالية متغيرات عدة، أولها أن الاستهداف يطال شخصيات دينية ذات ثقل اجتماعي، ما يضاعف من تأثير الإجراءات على المجتمع، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه علماء الدين في الحياة العامة.
أما المتغير الثاني، فيتمثل في اعتقاد السلطات بوجود دعم أو غطاء دولي يحد من الانتقادات الحقوقية، خاصة في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما تستخدمه السلطات، بحسب منتقديها، لتبرير الربط بين المعتقلين والجمهورية الإسلامية.
ورغم ذلك، يرى معارضون أن هذه العوامل لن تسهم في تثبيت الرواية الرسمية أو تمرير الإجراءات، مشيرين إلى أن الاعتماد على الحلول الأمنية قد يؤدي إلى تهدئة مؤقتة، لكنه لا يعالج جذور الأزمات السياسية والاقتصادية، بل قد يزيد من تعقيدها.
كما يعتبر هذا الطرح أن أي معالجة حقيقية للأزمة تتطلب مراجعة شاملة للوضع السياسي، تبدأ بإعادة تفعيل المسار الديمقراطي والانفتاح على مكونات المجتمع، إلى جانب إعادة صياغة العلاقات الإقليمية بما يواكب التحولات في ميزان القوى الدولي.
وفي ظل هذه التطورات، تتجه الأنظار إلى المسار الذي ستسلكه الأوضاع في البحرين، وسط تحذيرات من أن استمرار النهج الأمني قد يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة.
ويؤكد مراقبون أن المشهد الراهن في البحرين يعكس حالة استقطاب متزايدة بين اتجاهات تدعو إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة والاستقلال الوطني، وأخرى تتمسك بالتحالفات التقليدية، في ظل واقع إقليمي يتسم بدرجة عالية من السيولة وعدم اليقين.




