البحرين ونظام الخداع: التوظيف الاحتيالي كمدخل للاستعباد المنزلي

تُعدّ العاملات المنزليات الأجنبيات ركيزة غير مرئية للحياة اليومية في آلاف الأسر في البحرين، لكن الطريق إلى هذا العمل يبدأ في كثير من الأحيان بنظام الخداع وينتهي بالاستغلال.
فالتوظيف الاحتيالي يعمل في البحرين كآلية دخول ممنهجة إلى سوق عمل مغلق، تُمارس فيه انتهاكات ترقى إلى العمل القسري، في ظل تقصير حكومي مزمن عن توفير الحماية والمساءلة.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن عدداً كبيراً من العاملات يصلن إلى البحرين بعد وعود كاذبة بوظائف محترمة أو ظروف عمل لائقة.
لكن الواقع داخل المنازل الخاصة مختلف جذرياً: ساعات عمل مفرطة قد تتجاوز 16 ساعة يومياً، حرمان من الإجازات، حجب للأجور، ومصادرة لجوازات السفر والهواتف، بما يقطع أي صلة بالعالم الخارجي ويجعل الهروب شبه مستحيل.
ويوثق تقرير بارز لمنظمة العفو الدولية شهادات عشرات النساء اللواتي جرى استدراجهن عبر شبكات توظيف عابرة للحدود. ورغم اختلاف بلدان الوجهة في التقرير، فإن البنية واحدة: خداع قبل السفر، ثم عزل كامل بعد الوصول.
وتتفاقم هذه البنية في البحرين بسبب استثناء العمل المنزلي فعلياً من مظلة حماية قانون العمل، ما يترك العاملات بلا أدوات قانونية فعّالة للدفاع عن أنفسهن.
وتؤكد أوساط حقوقية أن المشكلة بنيوية وليست ظرفية، حيث سياسات الإنفاذ تركز على ملاحقة بعض مكاتب التوظيف أو الحسابات المزوّرة على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما تتجاهل الحلقة الأخطر: أصحاب العمل داخل المنازل.
وبمجرد دخول العاملة إلى “المجال الخاص”، تتراجع قدرة الدولة على التفتيش والمساءلة، ويتحول المنزل إلى مساحة حصانة غير معلنة، يُمارس فيها الإكراه والتمييز دون عواقب.
في هذا السياق، يصبح التوظيف الاحتيالي جزءاً من نظام مقبول ضمناً. تُغلق حسابات إلكترونية هنا وتُفرض غرامات هناك، لكن العاملات اللواتي وصلن بالفعل يبقين عالقات في أوضاع قسرية، بلا قنوات شكوى آمنة أو استجابة سريعة.
وحتى حين تُقدّم بلاغات، غالباً ما تُقابل بالتسويف أو تحميل الضحية مسؤولية “مخالفة الإقامة”، ما يعمّق الخوف ويمنع الإبلاغ.
وتفاقم وسائل التواصل الاجتماعي المشكلة عبر تسريع وتوسيع نطاق الخداع، لكن اختزال الأزمة في “احتيال رقمي” يضلل النقاش.
فجوهر الانتهاك هو غياب الحماية بعد الوصول. ضعف التفتيش، وغياب آليات مستقلة لدخول المنازل الخاصة عند الاشتباه، والتردد في محاسبة أصحاب العمل، كلها عوامل تجعل من البحرين بيئة خصبة لاستدامة الاستغلال.
ولا يمكن فصل هذا الواقع عن نظام الكفالة، الذي يقيّد حرية التنقل والعمل ويمنح صاحب العمل سلطة غير متكافئة. فالعاملات اللواتي يُخدعن قبل السفر يجدن أنفسهن، عند الوصول، بلا حق فعلي في تغيير صاحب العمل أو مغادرة المنزل دون مخاطر قانونية، ما يحوّل الخداع الأولي إلى قيد دائم.




