Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار

توجيهات حمد بن عيسى: البحرين تتجه نحو مزيد من التغول الأمني

تُصعد السلطات البحرينية من نهجها الأمني عبر توجيهات مباشرة أصدرها الملك حمد بن عيسى آل خليفة للجهات التنفيذية باتخاذ إجراءات “شاملة وحاسمة”، تتضمن النظر في سحب الجنسية من مواطنين تحت ذرائع فضفاضة تتصل بـ“خيانة الوطن” و“المساس بالأمن والاستقرار”، في خطوة تعكس انتقالًا خطيرًا من تقييد الحريات إلى استهداف الأصل القانوني لوجود الأفراد داخل دولتهم.

وتكشف التوجيهات، التي نشرتها وكالة الأنباء البحرينية، عن توجه رسمي نحو توسيع استخدام أدوات العقاب السياسي لتشمل المساس المباشر بالحق في الجنسية، وهو ما يضع آلاف المواطنين تحت تهديد إجراءات قد تُتخذ بناءً على تقديرات أمنية غير منضبطة، تفتقر إلى معايير قانونية واضحة وقابلة للرقابة القضائية الفعالة.

وتفتح المصطلحات المستخدمة في التوجيهات، مثل “خيانة الوطن” و“المساس بالأمن”، المجال أمام تأويلات واسعة تمنح الأجهزة التنفيذية سلطة تقديرية مفرطة، بما يسمح بتطبيقها على نطاق يشمل النشطاء السياسيين والمعارضين السلميين، ويحوّل الجنسية من رابطة قانونية ثابتة إلى أداة للعقاب والإقصاء، تُستخدم لمعاقبة الأفراد على آرائهم أو مواقفهم السياسية.

وتؤشر هذه الخطوة إلى تصعيد غير مسبوق في سياسات القمع، إذ تنتقل السلطات من ممارسات التضييق التقليدية—كالاعتقال والملاحقة—إلى التلويح بإجراءات تمس جوهر الوضع القانوني للفرد، بما يشمل تجريده من جنسيته، وهو ما يحمل تبعات خطيرة تمتد إلى حرمانه من حقوق أساسية، مثل الإقامة والعمل والتعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن خطر الوقوع في حالة انعدام الجنسية.

ويرتبط هذا التصعيد بسياق إقليمي متوتر، خاصة في ظل تداعيات الحرب على إيران، حيث توظّف السلطات البحرينية خطاب “حماية الجبهة الداخلية” لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية، وهو ما يعكس نمطًا متكررًا يقوم على استغلال الأزمات الإقليمية كذريعة لتمرير سياسات داخلية أكثر قسوة، تمس الحقوق الأساسية للمواطنين.

وتأتي التوجيهات الجديدة امتدادًا لحملة قمع واسعة شهدتها البلاد في مارس/آذار الماضي، حيث نفذت الأجهزة الأمنية حملة اعتقالات طالت أكثر من 200 شخص، بينهم نساء وقاصرون، على خلفية التعبير عن آرائهم بشأن التطورات الإقليمية، في مؤشر واضح على تضييق مساحة التعبير السلمي وتوسيع دائرة الاستهداف الأمني.

وتتزامن هذه التطورات مع حوادث أثارت قلقًا بالغًا، من بينها وفاة المواطن السيد محمد الموسوي داخل أحد مراكز الاحتجاز، في ظروف تحيط بها شبهات جدية تتعلق بإمكانية تعرضه للتعذيب، ما يعزز المخاوف من تصاعد الانتهاكات داخل منظومة الاحتجاز، ويعكس غياب الشفافية والمساءلة.

ويمثل التوجه نحو سحب الجنسية في مثل هذه السياقات انتهاكًا صارخًا لمبادئ القانون الدولي لحقوق الإنسان، الذي يحظر الحرمان التعسفي من الجنسية، خاصة عندما يُمارس على أسس تمييزية أو لأسباب سياسية.

كما أن استخدام هذا الإجراء كأداة عقابية يقوّض مبدأ سيادة القانون، ويحوّل الدولة إلى طرف يستخدم سلطاته السيادية لتجريد الأفراد من حقوقهم الأساسية بدل حمايتها.

ويعيد هذا المسار إلى الواجهة سجل البحرين المثير للقلق في هذا المجال، إذ شهدت البلاد، خصوصًا عقب احتجاجات 2011، حملات واسعة لسحب الجنسية، بلغت ذروتها بين عامي 2012 و2019، حين جُرّد نحو 990 مواطنًا من جنسيتهم، بينهم معارضون سياسيون ومدافعون عن حقوق الإنسان، في إطار سياسة ممنهجة استهدفت تقويض الحراك السياسي وإضعاف المجتمع المدني.

وتعكس التوجيهات الحالية خطر إعادة تفعيل هذه السياسة على نطاق أوسع، خصوصًا مع غياب الضمانات القانونية الكافية التي تمنع التعسف، أو تتيح سبل الطعن الفعالة أمام قرارات من هذا النوع، وهو ما يهدد بتحويل الجنسية إلى أداة ضغط دائمة تُستخدم لإخضاع المجتمع وإسكات الأصوات المعارضة.

ويحمل سحب الجنسية آثارًا مدمرة تتجاوز الفرد لتطال أسرته ومحيطه الاجتماعي، إذ يؤدي إلى تفكيك الروابط القانونية والاجتماعية، ويضع المتضررين في حالة هشاشة قانونية قد تمتد لسنوات، خاصة في حال عدم توفر جنسية بديلة، ما يعرّضهم لخطر التهميش الكامل وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة الكريمة.

وتؤكد هذه التطورات أن البحرين تتجه نحو مزيد من التغوّل الأمني، مع منح الأجهزة التنفيذية صلاحيات أوسع دون رقابة حقيقية، في وقت تتراجع فيه الضمانات القانونية والحقوقية، ما يثير مخاوف جدية من دخول البلاد مرحلة أكثر قسوة، تُستخدم فيها أدوات الدولة السيادية لتصفية الخصوم السياسيين وإعادة تشكيل المجال العام على أسس أمنية بحتة.

وتكشف التوجيهات الملكية الأخيرة عن مسار تصعيدي واضح، يضع الحق في الجنسية في دائرة الاستهداف المباشر، ويكرّس واقعًا تصبح فيه المواطنة مشروطة بالولاء السياسي، بدل أن تكون حقًا أصيلًا مكفولًا بالقانون، وهو ما يطرح تحديات عميقة أمام مستقبل الحقوق والحريات في البحرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى