البحرين تغرق في أزمة ديون غير مسبوقة.. تدهور التصنيف الائتماني يكشف هشاشة اقتصاد المنامة

كشف التراجع المستمر في التصنيف الائتماني للبحرين حجم الأزمة المالية المتفاقمة التي تواجهها المنامة، وسط ارتفاع قياسي في الديون العامة وتزايد العجز المالي وتراجع الاحتياطيات النقدية، ما يضع اقتصاد المملكة أمام مخاطر متزايدة خلال السنوات المقبلة.
وأظهرت مؤشرات وكالات التصنيف الدولية أن البحرين أصبحت صاحبة أضعف تصنيف ائتماني بين دول مجلس التعاون الخليجي، بعد سنوات من تراجع قدرتها المالية نتيجة تراكم الاختلالات الاقتصادية واعتماد سياسات إنفاق أثقلت الموازنة العامة.
وتراجع تصنيف البحرين إلى درجة “B” مع نظرة مستقبلية تأثرت سلبا بالتحديات الاقتصادية، في وقت تحذر فيه مؤسسات التصنيف من استمرار الضغوط على المالية العامة للدولة.
ويعكس التصنيف الائتماني قدرة الدول على الوفاء بالتزاماتها المالية ومستوى المخاطر المرتبطة بالاستثمار فيها، وكلما تراجع التصنيف ارتفعت تكلفة الاقتراض وزادت الضغوط على الاقتصاد.
وخلال السنوات الماضية، فقدت البحرين عدة درجات في سلم التصنيف الائتماني، إذ كانت عام 2011 عند مستوى أفضل بكثير قبل أن تدخل مسارا مستمرا من التراجع بسبب ارتفاع الدين العام والعجز المالي.
وباتت المنامة في ذيل الترتيب الخليجي، بينما حافظت دول أخرى في المنطقة على مستويات ائتمانية أعلى بفضل الاحتياطيات المالية الكبيرة وانخفاض نسب الديون مقارنة بحجم الاقتصاد.
ويربط خبراء الاقتصاد أزمة البحرين بمجموعة من العوامل، أبرزها تضخم الدين العام، وتراجع الاحتياطي النقدي، وزيادة كلفة خدمة الديون، إلى جانب صعوبة تنفيذ إصلاحات مالية عميقة.
وتعاني البحرين من عجز مالي مزمن، إذ تشير بيانات الموازنة إلى استمرار الفجوة الكبيرة بين الإيرادات والمصروفات، ما يدفع الحكومة إلى الاعتماد المتكرر على الاقتراض لتمويل النفقات.
وارتفع حجم الدين العام بشكل حاد خلال السنوات الماضية، بعدما كان يمثل نسبة محدودة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2011، قبل أن يصل إلى مستويات مرتفعة تتجاوز المعايير المعتمدة خليجيا ودوليا.
وتسببت هذه الزيادة في تضخم فوائد الديون، التي أصبحت تستنزف جزءا كبيرا من إيرادات الدولة، ما يقلص قدرة الحكومة على توجيه الأموال نحو القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية.
وتظهر الأرقام أن فوائد الديون تحولت إلى عبء رئيسي داخل الموازنة، بعدما ارتفعت بصورة كبيرة مقارنة بحجم الإيرادات العامة والاحتياطات النقدية المتاحة.
كما تواجه البحرين أزمة مرتبطة بانخفاض الاحتياطي النقدي، وهو أحد العوامل الأساسية التي تراقبها وكالات التصنيف، باعتباره مؤشرا على قدرة الدولة على مواجهة الأزمات وسداد الالتزامات الخارجية.
وتشير التقديرات إلى أن مستوى الاحتياطي البحريني يبقى محدودا مقارنة بدول خليجية أخرى تمتلك قدرات مالية أكبر، ما يزيد اعتماد المنامة على الدعم الخارجي.
وتعتمد البحرين منذ سنوات على مساعدات مالية خليجية ساهمت في منع تدهور أكبر في وضعها المالي، لكن هذا الاعتماد يكشف هشاشة النموذج الاقتصادي القائم وعدم قدرة الإيرادات المحلية على تغطية الاحتياجات المتزايدة.
وتفاقمت المخاوف الاقتصادية مع استمرار ارتفاع الإنفاق العام، خصوصا في القطاعات غير الإنتاجية، في مقابل الحاجة إلى تعزيز قطاعات قادرة على توليد إيرادات مستدامة.
ويرى محللون أن الإنفاق العسكري والأمني المرتفع يمثل أحد أبرز الملفات المثيرة للجدل، في ظل حاجة البلاد إلى إعادة ترتيب الأولويات المالية للحد من العجز.
ورغم امتلاك البحرين بعض نقاط القوة الاقتصادية، مثل القطاع المصرفي وصادرات الألمنيوم والإيرادات غير النفطية، فإن هذه العوامل لم تكن كافية لتعويض الضغط الناتج عن الديون والعجز.
وتشير التقديرات إلى أن أي تراجع إضافي في الظروف الاقتصادية أو تأخر الدعم الخارجي قد يزيد الضغوط على التصنيف الائتماني للبلاد.
وتواجه الحكومة البحرينية تحديا يتمثل في تحقيق إصلاح مالي شامل عبر زيادة الإيرادات المستدامة وخفض النفقات، خصوصا مع استمرار ارتفاع كلفة الاقتراض.
ويؤكد خبراء أن تحسين التصنيف الائتماني للبحرين لن يتحقق دون معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها السيطرة على الدين العام وخفض العجز المالي بدلا من الاعتماد المستمر على القروض والدعم الخارجي.
وتكشف الأزمة الحالية أن البحرين دخلت مرحلة مالية صعبة، بعدما تحولت الديون من أداة تمويل مؤقتة إلى خطر استراتيجي يهدد استقرار اقتصادها على المدى الطويل.




