Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
انتهاكات حقوق الإنسان

الجنسية كسلاح.. البحرين تجدد سياسة القمع عبر إسقاط المواطنة

أعادت موجة إسقاط المواطنة والجنسية في البحرين خلال الحرب الإقليمية المستمرة، إلى الواجهة سياسة قديمة استخدمتها سلطات النظام الخليفي لسنوات في مواجهة معارضين ونشطاء ومواطنين اتُّهموا بمواقف سياسية أو أمنية.

فالجنسية، التي يفترض أن تكون حقًا قانونيًا ثابتًا، عادت لتتحول في حالات عديدة إلى أداة عقابية يمكن أن تمتد آثارها إلى الأسر والأطفال، وتدفع ببعض المتضررين إلى الترحيل أو العيش في ظروف تقترب من انعدام الجنسية.

وقد شهدت البحرين خلال الأشهر الماضية تصعيدًا جديدًا في سياسة القمع السياسي، مع لجوء السلطات إلى سحب الجنسية من عشرات المواطنين في ظل الحرب الإقليمية، في خطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر الأدوات إثارة للجدل في سجل المملكة الحقوقي، وهي تحويل المواطنة من حق قانوني إلى عقوبة سياسية وأمنية.

وتشير معطيات حقوقية إلى أن السلطات البحرينية استغلت أجواء الحرب والتوتر مع إيران لتوسيع دائرة الملاحقات، ليس فقط عبر الاعتقالات والمحاكمات، بل أيضًا من خلال تجريد مواطنين من جنسيتهم، في إجراءات أثارت انتقادات حقوقية واسعة بسبب غياب الضمانات القضائية الواضحة وما يمكن أن يترتب عليها من ترحيل أو انعدام للجنسية وحرمان من الحقوق الأساسية.

وفي 27 أبريل/نيسان 2026، أعلنت السلطات البحرينية إسقاط جنسية عشرات الأشخاص، وربطت القرار باتهامات تتعلق بـ”تمجيد الأعمال العدائية الإيرانية” أو التواصل مع جهات خارجية. لكن منظمات حقوقية قالت إن هذه الإجراءات أعادت إنتاج نمط قديم استخدمته المنامة على مدى سنوات ضد المعارضين والناشطين، عبر توظيف نصوص فضفاضة تتعلق بـ”الإضرار بأمن الدولة” أو مخالفة “واجب الولاء”.

وتبرز خطورة هذه السياسة في أن سحب الجنسية لا يقتصر أثره على الشخص المستهدف وحده. فالمواطنة ترتبط بالحق في الإقامة والعمل والتعليم والرعاية الصحية والتنقل والوثائق الرسمية، ما يجعل قرار إسقاطها عقوبة تتجاوز في آثارها السجن أو الغرامة، وقد تمتد إلى أفراد الأسرة والأطفال.

ومنذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في البحرين عام 2011، استخدمت السلطات سلسلة من الإجراءات الأمنية والقضائية ضد المعارضين والنشطاء، شملت الاعتقال والسجن وإغلاق الجمعيات السياسية وملاحقة الصحافيين، قبل أن يتحول إسقاط الجنسية إلى أحد أبرز أدوات العقاب السياسي خلال السنوات اللاحقة.

وبحسب توثيقات حقوقية، فقد جُرد مئات البحرينيين من جنسيتهم خلال السنوات الماضية، قبل أن تعيد السلطات الجنسية إلى عدد كبير منهم عام 2019. إلا أن عودة هذه الإجراءات خلال عام 2026 تؤشر، بحسب منتقدي الحكومة، إلى أن التراجع السابق لم يكن إنهاءً حقيقيًا للسياسة، بل مجرد توقف مؤقت قبل إعادة استخدامها في ظل ظروف الحرب والتصعيد الإقليمي.

وأثارت الحرب الأخيرة مخاوف أمنية حقيقية في البحرين بعد تعرضها لهجمات مرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلا أن منظمات حقوقية شددت على أن مواجهة التهديدات الأمنية لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإلغاء الضمانات القانونية أو تجريم التعبير السلمي عن الرأي.

فقد وثقت جهات حقوقية اعتقالات طالت أشخاصًا بسبب مشاركتهم في احتجاجات، أو نشرهم مواد مرتبطة بالحرب، أو التعبير عن مواقفهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما شملت الإجراءات، وفق تلك المنظمات، أشخاصًا اتهموا بإبداء التعاطف مع إيران أو نشر مقاطع مصورة للهجمات التي استهدفت البحرين.

ويكشف هذا المسار عن اتساع خطير في مفهوم “التهديد الأمني”، إذ يمكن أن ينتقل المواطن، في ظل هذا المناخ، من ممارسة التعبير عن رأيه إلى مواجهة اتهامات بالخيانة أو التخابر أو الإضرار بالأمن الوطني، في وقت تفرض فيه السلطات قيودًا مشددة على الاحتجاج والتجمع والنشر.

كما تحدثت تقارير حقوقية عن تشديد القيود على المظاهر والتجمعات الدينية خلال موسم عاشوراء، واعتقال عدد من المشاركين ومنظمي الفعاليات ومنع رجال دين وقراء من المشاركة في بعض المناسبات، الأمر الذي عزز المخاوف من توظيف أجواء الحرب لتضييق المجال العام بمختلف أشكاله.

وفي هذا السياق، تبدو سياسة إسقاط الجنسية أكثر خطورة من مجرد عقوبة إدارية. فالسلطة التي تستطيع تجريد المواطن من هويته القانونية من دون مسار قضائي واضح، تملك عمليًا أداة بالغة التأثير في ضبط المجتمع وإرهاب الخصوم السياسيين، خصوصًا عندما لا تكون أسباب القرار والأدلة المتعلقة بكل حالة متاحة بصورة شفافة للرأي العام.

وتشير تقارير حقوقية إلى أن بعض المتضررين من قرارات التجريد واجهوا خطر الترحيل أو فقدان الوثائق الرسمية، فيما أصبح أفراد من عائلاتهم عرضة لقيود مرتبطة بوضعهم القانوني. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يؤدي القرار إلى انعدام الجنسية، أو عندما يمتد أثره بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أطفال لم يرتكبوا أي مخالفة.

وتتعارض هذه الممارسات، وفق منظمات حقوق الإنسان، مع مبدأ عدم الحرمان التعسفي من الجنسية، المنصوص عليه في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فضلًا عن ضرورة توفير ضمانات قانونية وحق فعلي في الطعن أمام جهة مستقلة قبل اتخاذ إجراءات تمس أحد أكثر الحقوق ارتباطًا بوجود الإنسان القانوني داخل الدولة.

ومع استمرار الملاحقات والقيود على التعبير، يبدو أن الحرب منحت السلطات البحرينية فرصة لإعادة إنتاج أدوات القمع القديمة بلغة جديدة. فبعد سنوات من استخدام تهم الإرهاب والإضرار بأمن الدولة ضد الخصوم، دخلت اتهامات “التعاطف مع إيران” و”تمجيد الهجمات” إلى قاموس الملاحقة، ما يفتح الباب أمام توسيع دائرة التجريم لتشمل الآراء والمواقف السياسية.

وفي بلد تصنفه منظمات دولية ضمن البيئات المقيدة للحريات السياسية والمدنية، فإن إعادة سحب الجنسية بهذه الطريقة تطرح سؤالًا أكبر حول مستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن: هل تبقى الجنسية حقًا أصيلًا تحميه القوانين، أم تتحول إلى امتياز سياسي يمكن للسلطة نزعه عندما يصبح المواطن معارضًا أو صاحب رأي غير مرغوب فيه؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى