ارتفاع الديون وتقشف الداخل يقابله استمرار انحراف أولويات الإنفاق الحكومي في البحرين

تتصاعد التساؤلات بشأن أولويات الإنفاق الحكومي في البحرين، في وقت تواجه فيه المملكة واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ سنوات، مع ارتفاع الدين العام إلى مستويات قياسية، واستمرار العجز المالي، وتراجع التصنيف الائتماني، بالتزامن مع تنفيذ الحكومة إجراءات تقشفية طالت أسعار الوقود والكهرباء والمياه والدعم الحكومي، وسط استمرار الإنفاق على استضافة البطولات الرياضية والفعاليات الدولية المكلفة.
وتشير أحدث بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن البحرين تواجه ضغوطاً مالية تُعد الأعلى بين دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تجاوز الدين العام 133% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2024، مع توقعات بارتفاعه إلى نحو 152.4% بحلول عام 2026 إذا لم تُنفذ إصلاحات مالية إضافية، بينما بلغ العجز المالي نحو 11% من الناتج المحلي، في وقت تستنزف فيه خدمة الدين والأجور والإنفاق الجاري جانباً كبيراً من موارد الدولة.
ورغم هذا المشهد المالي الضاغط، تواصل البحرين تخصيص مبالغ كبيرة لاستضافة ورعاية فعاليات رياضية دولية، وهو ما أعاد فتح النقاش حول ما إذا كانت الحكومة تعطي الأولوية لمشروعات تحسين الصورة الخارجية على حساب معالجة الاختلالات الاقتصادية وتخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين.
ويبرز في هذا السياق استمرار البحرين في تحمل تكاليف استضافة سباقات الفورمولا 1، والتي تشير تقديرات متداولة إلى أن رسوم استضافتها السنوية تتراوح بين 70 و80 مليون دولار، إضافة إلى مساهمة في تكاليف التشغيل تتراوح بين 9 و10 ملايين دولار، فضلاً عن الإنفاق على بطولات الفنون القتالية المختلطة، وقمم الرياضة الدولية، وسلسلة من الفعاليات الرياضية التي تقام داخل المملكة وخارجها.
وتواجه المنامة منذ سنوات اتهامات من منظمات حقوقية دولية باستخدام الرياضة كوسيلة لتحسين صورتها الخارجية فيما يعرف بسياسة “الغسل الرياضي” عبر استضافة البطولات العالمية وربط اسم البحرين بفعاليات رياضية كبرى، في وقت تتعرض فيه لسلسلة من الانتقادات الحقوقية والسياسية.
وتصاعدت هذه الانتقادات مع إعلان الحكومة حزمة إصلاحات مالية جديدة تضمنت رفع أسعار الكهرباء والمياه والوقود وإعادة هيكلة الدعم، باعتبارها إجراءات ضرورية للحد من تصاعد الدين العام وتحقيق التوازن المالي، إلا أن تلك الخطوات أثارت انتقادات داخلية بشأن تحميل المواطنين كلفة الأزمة المالية، مقابل استمرار الإنفاق على قطاعات يعتبرها منتقدون غير ذات أولوية.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن البحرين لا تزال تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية رغم توسعها في قطاعات الخدمات المالية والسياحة والصناعة، وهو ما يجعل المالية العامة شديدة التأثر بتقلبات أسعار النفط، بينما تؤدي خدمة الدين المتزايدة إلى تقليص قدرة الحكومة على زيادة الإنفاق التنموي والاستثماري.
كما يحذر الصندوق من أن تضخم خدمة الدين وارتفاع فوائد الاقتراض يمثلان أحد أكبر المخاطر التي تواجه الاقتصاد البحريني، في ظل ارتفاع تكلفة إعادة التمويل وتزايد الحاجة إلى الاقتراض لسد فجوات الموازنة.
ويعكس هذا الوضع المالي أيضاً التراجع المستمر في التصنيف الائتماني للمملكة، إذ أصبحت البحرين صاحبة أضعف تصنيف ائتماني بين دول مجلس التعاون الخليجي، بعدما انخفض تصنيفها إلى درجة “B” لدى وكالات التصنيف الدولية، مع نظرة مستقبلية تعكس استمرار الضغوط على المالية العامة.
ويشير خبراء اقتصاد إلى أن انخفاض التصنيف الائتماني يؤدي أيضاً إلى رفع تكلفة الاقتراض، وزيادة أعباء خدمة الدين، وتقليص ثقة المستثمرين، ما يضع الحكومة أمام تحديات إضافية في تمويل الإنفاق العام.
وفي المقابل، يستمر الإنفاق على الفعاليات الرياضية في إثارة الجدل، خصوصاً مع توسع منظمة BRAVE Combat Federation، التي أُطلقت برعاية خالد بن حمد آل خليفة، واستمرار تنظيم بطولات دولية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، إلى جانب استقدام مقاتلين ومدربين أجانب بعقود احترافية، وتوفير تذاكر سفر وإقامة فندقية ومكافآت مالية وحملات ترويج دولية.
كما شهدت البحرين خلال الفترة الأخيرة تنظيم قمة الرياضة البحرينية واستعدادات لإقامة بطولات دولية جديدة، في وقت لا تعلن فيه الجهات الرسمية بصورة تفصيلية حجم الإنفاق المخصص لهذه الأنشطة أو مصادر تمويلها، وهو ما يزيد من المطالبات بتعزيز الشفافية في إدارة المال العام.
ويرى مراقبون أن المفارقة تكمن في أن الحكومة تبرر إجراءات التقشف بالحاجة إلى خفض العجز والدين، بينما تستمر في تمويل مشاريع رياضية وترفيهية باهظة الكلفة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق في ظل الأزمة المالية.
وتزداد هذه التساؤلات مع استمرار الضغوط على برامج الدعم الاجتماعي والتوظيف، بالنظر إلى أن مبالغ تُنفق على فعالية رياضية واحدة يمكن أن تُستخدم في تمويل برامج لتوظيف مئات الشباب البحرينيين أو دعم قطاعات التعليم والصحة والإسكان.
كما تتزامن الأزمة المالية مع استمرار ارتفاع الإنفاق الجاري، الذي يشمل الأجور والدعم وخدمة الدين، وهي بنود يقول صندوق النقد الدولي إنها تستنزف جزءاً كبيراً من الموازنة، بما يقلص الموارد المتاحة للاستثمار في القطاعات الإنتاجية القادرة على تحقيق نمو مستدام.
ويؤكد خبراء أن معالجة الأزمة المالية في البحرين تتطلب إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وتعزيز الإيرادات المستدامة، والحد من الاعتماد على الاقتراض، إلى جانب مراجعة أوجه الصرف غير الإنتاجية، بما يضمن توجيه الموارد نحو القطاعات التي تحقق قيمة اقتصادية مباشرة.
وفي ظل استمرار ارتفاع الدين العام، وتزايد كلفة خدمته، واعتماد المنامة على الدعم الخليجي لتخفيف الضغوط المالية، تبدو البحرين أمام معادلة معقدة تجمع بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي ورغبة الحكومة في مواصلة الإنفاق على مشاريع تعتبرها جزءاً من استراتيجيتها لتعزيز الحضور الدولي.
وبينما تروج سلطات النظام الخليفي أن هذه الفعاليات تمثل استثماراً في الاقتصاد والسياحة والسمعة الدولية، يرى نشطاء بأن استمرار الإنفاق عليها في ظل أوضاع مالية متدهورة يعكس اختلالاً في ترتيب الأولويات، ويثير تساؤلات متزايدة حول مدى اتساق سياسات التقشف مع طبيعة الإنفاق الحكومي في المرحلة الحالية.




