تصعيد غير مسبوق في البحرين: سحب الجنسية كسلاح سياسي للقمع الشامل

تدفع السلطات في البحرين نحو مرحلة أكثر حدة في إدارة الصراع الداخلي، عبر استخدام أداة سحب الجنسية على نطاق واسع، في خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً من الضبط الأمني التقليدي إلى إجراءات تمس الوجود القانوني للمواطنين أنفسهم.
وقد أطلقت حكومة النظام الخليفي حملة لإسقاط الجنسية عن 69 مواطناً، بينهم علماء دين وشخصيات مهنية وفنية، في قرار لم يقتصر على الأفراد، بل امتد ليطال عائلات كاملة، بما في ذلك أطفال، ما يكشف طبيعة الإجراء كعقوبة جماعية تتجاوز الأطر القانونية التقليدية.
وصدر القرار بتوجيه مباشر من ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، الذي دعا إلى إعادة تعريف من “يستحق المواطنة”، في صياغة تحمل بعداً سياسياً واضحاً، خصوصاً أنها جاءت في سياق التوتر الإقليمي المرتبط بالحرب على إيران، وما رافقها من تداعيات أمنية داخل المملكة.
ويعكس التوقيت توظيفاً مباشراً للأزمة الإقليمية كغطاء لإعادة ترتيب الداخل، حيث تم ربط سحب الجنسية بتهم فضفاضة مثل “المساس بالأمن والاستقرار”، دون تقديم أدلة علنية أو إجراءات قضائية، ما يحول القرار إلى أداة سياسية مفتوحة الاستخدام.
ويُظهر مسار القرار غياباً كاملاً للضمانات القانونية، إذ جرى تنفيذه خارج الإطار القضائي، ومن دون تحقيقات أو محاكمات، ما يمثل خرقاً لمبدأ الفصل بين السلطات، ويؤسس لنموذج حكم تتغول فيه السلطة التنفيذية على القضاء بشكل مباشر.
تؤكد جمعية الوفاق الوطني الإسلامية أن ما جرى يمثل “إعداماً مدنياً ومعنوياً”، في توصيف يعكس حجم التأثير الاجتماعي والقانوني للقرار، حيث لا يقتصر الأمر على فقدان الجنسية، بل يمتد إلى فقدان الحقوق الأساسية المرتبطة بها، بما في ذلك الإقامة والعمل والتعليم.
يعد القرار جزء من مسار تصاعدي، خاصة مع تأكيد الجهات الرسمية استمرار مراجعة ملفات الجنسية، ما يفتح الباب أمام موجات إضافية، ويحول الملف إلى أداة ضغط دائمة.
وقد سبق القرار حملة إعلامية منظمة استهدفت تهيئة الرأي العام، عبر خطاب تحريضي ضد فئات اجتماعية محددة، بالتوازي مع تحركات تشريعية لإعادة صياغة قانون الجنسية بما يقلص دور القضاء ويمنح السلطة التنفيذية صلاحيات شبه مطلقة.
وتُظهر التعديلات المقترحة على المادة 7 من قانون السلطة القضائية توجهاً واضحاً لإخراج قضايا الجنسية من نطاق الرقابة القضائية، وتصنيفها كـ”أعمال سيادة”، ما يعني تحصين القرارات من الطعن، وإغلاق أي مسار قانوني للاعتراض.
ويمثل هذا التحول نقلة خطيرة في بنية النظام القانوني، حيث يتم تفريغ مفهوم المواطنة من مضمونه الحقوقي، وتحويله إلى امتياز قابل للسحب بقرار إداري، في تناقض مع المبادئ الدستورية والمعايير الدولية.
ويرى حقوقيون أن القرار يتعارض مع التزامات البحرين الدولية، وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص على حق كل فرد في جنسية وعدم حرمانه منها تعسفياً، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وأكد رئيس منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان جواد فيروز أن سحب ولاية القضاء في هذا الملف يمثل انتهاكاً صريحاً لمبدأ سيادة القانون، ويقوض أي ضمانات قانونية لحماية الحقوق الأساسية.
فيما حذر الناشط الحقوقي يوسف المحافظة من أن التعديلات تفتح الباب أمام استخدام انتقائي للقانون، بما يسمح بتوظيفه في سياقات سياسية أو طائفية، خاصة في ظل غياب آليات رقابة مستقلة.
وتعكس هذه الإجراءات توجهاً نحو إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع، عبر فرض معادلة تقوم على الطاعة مقابل الاحتفاظ بالحقوق الأساسية، وهو ما يهدد بتعميق الانقسام الداخلي وزيادة الاحتقان الاجتماعي.
بموازاة ذلك يتجاوز التأثير البعد القانوني إلى تداعيات إنسانية مباشرة، حيث يؤدي سحب الجنسية إلى وضع الأفراد في حالة انعدام قانوني، ما ينعكس على أوضاعهم المعيشية وحقوقهم الأساسية، ويخلق فئة من “عديمي الجنسية” داخل المجتمع.
وتطرح هذه الخطوة تساؤلات حول طبيعة الدولة ومفهوم المواطنة، في ظل انتقالها من إطار قانوني ثابت إلى أداة سياسية متغيرة، تستخدم لإعادة ضبط التوازنات الداخلية.
وترتبط هذه السياسات بسياق أوسع من التوترات الممتدة منذ احتجاجات عام 2011، حيث يُنظر إلى سحب الجنسية كامتداد لسياسات تستهدف المعارضة، في محاولة لإضعافها وإعادة تشكيل المشهد السياسي.
ويرى مراقبون أن استخدام هذا الأسلوب قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يعزز مشاعر التهميش ويقوض الثقة بين الدولة والمجتمع، ما يهدد الاستقرار على المدى الطويل.
ويعكس المسار الحالي انتقالاً من إدارة الأزمات إلى تعميقها، حيث تتحول أدوات الدولة من وسائل ضبط إلى وسائل صدام، في ظل غياب حلول سياسية شاملة.
وتخلص القراءة العامة إلى أن سحب الجنسية تحول إلى سياسة ممنهجة تحمل أبعاداً سياسية وأمنية، ما يضع البحرين أمام اختبار حقيقي يتعلق بمستقبل نظامها القانوني والاجتماعي.



