خطاب منمق وواقع منتهك: البحرين تبيع سرديتها الحقوقية في الأمم المتحدة

مرة جديدة، يعتلي مسؤول بحريني منصة دولية رفيعة ليتحدث في خطاب منمق عن “التقدم الملموس” و“المعايير العليا” لحقوق الإنسان، في مشهد بات مألوفاً ومكرراً.
هذه المرة كان الدور لوزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني، الذي ألقى كلمة خلال افتتاح الدورة الحالية لـ مجلس حقوق الإنسان في جنيف، رسم فيها صورة وردية لواقع الحقوق والحريات في البحرين، بدت بعيدة كل البعد عن التقارير الميدانية الصادرة عن منظمات دولية مستقلة.
تحدث الزياني بثقة عن “تقدم ملموس وفاعل” في ترسيخ حقوق الإنسان، مشيراً إلى مبادرات مثل العقوبات البديلة وبرنامج “السجون المفتوحة”، ومقدماً هذه السياسات بوصفها تحولاً نوعياً في فلسفة الدولة العقابية نحو “إصلاح الفرد” وإعادة دمجه في المجتمع.
كما نوه بتعديلات على قانون الصحافة والطباعة والنشر، قال إنها ألغت سجن الصحفيين في قضايا النشر وعززت الحرية الإعلامية “المسؤولة”، إلى جانب التأكيد على التزام البحرين بقيم التسامح والتعايش والإخاء الإنساني.
للحظة، قد يُخيل للمستمع أن الوزير يتحدث عن دولة نموذجية، تحترم الحقوق وتصون الحريات، لكن ما إن تُقارن هذه التصريحات بالواقع الموثق حتى يتكشف التناقض الصارخ.
فالكلمات المنمقة التي ألقاها الزياني لا تصمد أمام تقارير أممية وحقوقية تؤكد استمرار الانتهاكات، ووجود فجوة واسعة بين الخطاب الرسمي والممارسة اليومية.
وأعربت تقارير لجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة مراراً عن قلقها إزاء مزاعم التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز الاحتجاز البحرينية، ودعت إلى توسيع تعريف التعذيب في التشريعات الوطنية وضمان المساءلة.
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الوزير عن “نماذج متميزة” في إدارة السجون، تشير شهادات معتقلين سابقين ومنظمات حقوقية إلى ظروف احتجاز قاسية وحرمان من الرعاية الصحية، فضلاً عن قيود على التواصل مع العائلات والمحامين.
أما في ما يخص حرية التعبير، فإن الإشادة الرسمية بالتعديلات القانونية لا تغير من حقيقة أن البحرين ما تزال، بحسب هيومن رايتس ووتش وغيرها من المنظمات، تفرض قيوداً مشددة على الصحافة والعمل الحقوقي، وتلاحق نشطاء وصحفيين بسبب آرائهم أو نشاطهم السلمي.
وهنا، يبدو الحديث عن “حرية صحفية مسؤولة” أقرب إلى شعار دعائي منه إلى توصيف دقيق للواقع.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن ملف سجناء الرأي، حيث ما يزال العشرات من المعارضين السياسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان خلف القضبان، بعضهم بعد محاكمات تشوبها شبهات جدية حول النزاهة وضمانات المحاكمة العادلة.
وتؤكد منظمات حقوقية أن برامج العقوبات البديلة، مهما جرى الترويج لها، لا تعالج جوهر المشكلة المتمثل في تجريم التعبير السلمي واستخدام القضاء كأداة سياسية.
وفي كلمته، حرص الزياني أيضاً على إبراز دور البحرين الخارجي ومشاركتها في مبادرات السلام والتعايش، في محاولة واضحة لنقل النقاش من الداخل الحقوقي المأزوم إلى صورة دبلوماسية إيجابية.
غير أن هذا الأسلوب، الذي يركز على السياسة الخارجية لتلميع السمعة، لا ينجح في إخفاء حقيقة أن احترام حقوق الإنسان يبدأ من الداخل، من ضمان كرامة المواطنين وحرياتهم الأساسية.
ويؤكد مراقبون أن تكرار الخطاب نفسه في كل دورة من دورات مجلس حقوق الإنسان، مع تجاهل التوصيات الدولية الجوهرية، يعزز الانطباع بأن هذه التصريحات ليست سوى أداة دبلوماسية لتلميع صورة النظام، لا التزاماً حقيقياً بالإصلاح.
فالحقوق لا تُقاس بما يُقال في جنيف، بل بما يعيشه الناس في المنامة والقرى والمناطق المهمشة.
وحتى يصبح الحديث عن حقوق الإنسان في البحرين ذا مصداقية، لا بد من الانتقال من لغة الإنجازات المعلبة إلى خطوات ملموسة: الإفراج عن سجناء الرأي، وقف التعذيب، ضمان استقلال القضاء، وفتح المجال العام أمام الإعلام والمجتمع المدني.
ومن دون ذلك، ستبقى كلمات وزير الخارجية في مجلس حقوق الإنسان مجرد خطاب مُنمق، يُستخدم لحجب الحقيقة لا لكشفها.




