المحكمة العليا البريطانية تسقط حصانة البحرين في قضية اختراق أجهزة معارضين
تفتح الطريق أمام محاكمة النظام الخليفي

أسقطت المحكمة العليا البريطانية، اليوم، ادعاء مملكة البحرين بالحصانة السيادية في الدعوى التي رفعها المعارضان البحرينيان الدكتور سعيد شهابي وموسى محمد، والمتعلقة باتهامات باستخدام برنامج التجسس “FinFisher” لاختراق أجهزتهما أثناء إقامتهما في المملكة المتحدة، في حكم وصفه قانونيون بأنه سابقة مهمة في قضايا الملاحقة الرقمية العابرة للحدود.
وأيدت المحكمة، بأغلبية ثلاثة قضاة مقابل اثنين، الأحكام الصادرة سابقاً عن المحكمة العليا ومحكمة الاستئناف، معتبرة أن البحرين لا تتمتع بالحصانة التي تمنع نظر الدعوى المدنية، الأمر الذي يسمح باستمرار القضية أمام المحاكم البريطانية للنظر في موضوعها والفصل في طلبات التعويض التي تقدم بها المدعيان.
وفي المقابل، لم تحسم المحكمة العليا صحة مزاعم التجسس نفسها، إذ يظل الفصل في تلك الادعاءات موضوعاً لمحاكمة لاحقة.
وتعود القضية إلى اتهامات وجهها المعارضان البحرينيان للحكومة البحرينية باستخدام برنامج المراقبة الألماني الصنع “FinFisher” لاختراق حاسوبيهما المحمولين في سبتمبر/أيلول 2011 أثناء وجودهما في لندن، وهو ما يقولان إنه تسبب لهما بأضرار نفسية جسيمة نتيجة مراقبة نشاطهما واتصالاتهما.
وترتكز القضية على استثناء وارد في قانون حصانة الدولة البريطاني لعام 1978، ينص على أن الدولة الأجنبية لا تتمتع بالحصانة إذا تسببت في إصابة شخصية داخل المملكة المتحدة، حتى وإن وقع جزء من الأفعال خارج الأراضي البريطانية.
ورأت المحكمة العليا أن الوقائع المزعومة، إذا ثبتت، تدخل ضمن هذا الاستثناء، لأن الأثر وقع داخل المملكة المتحدة، ولأن الأضرار النفسية المزعومة تندرج ضمن مفهوم “الإصابة الشخصية” الذي ينص عليه القانون البريطاني.
كما أيدت المحكمة ما انتهت إليه محكمة الاستئناف من أن التلاعب عن بُعد بأجهزة حاسوب موجودة داخل المملكة المتحدة يُعد تدخلاً يقع داخل الإقليم البريطاني، حتى لو نُفذت بعض الأفعال من خارج البلاد.
وكانت البحرين قد دفعت طوال مراحل التقاضي بأنها تتمتع بالحصانة السيادية التي تحول دون نظر الدعوى أمام القضاء البريطاني، إلا أنها خسرت هذا الدفع أمام المحكمة العليا في لندن ثم أمام محكمة الاستئناف، قبل أن تلجأ إلى المحكمة العليا البريطانية باعتبارها أعلى هيئة قضائية في المملكة المتحدة.
وبموجب الحكم الصادر اليوم، أصبح بإمكان الدعوى المضي قدماً للنظر في أصل الاتهامات، دون أن يشكل قرار المحكمة إثباتاً لصحة مزاعم اختراق الأجهزة أو مسؤولية البحرين عنها.
ويؤكد الدكتور سعيد شهابي وموسى محمد أن أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهما تعرضت للإصابة ببرنامج “FinSpy”، الذي يتيح، بحسب محامي فريقهما القانوني في شركة “لي داي”، جمع كميات كبيرة من البيانات، تشمل تسجيل ضغطات المفاتيح، والرسائل الإلكترونية، والمحادثات الفورية، والمكالمات الصوتية، والصور ومقاطع الفيديو، إضافة إلى تشغيل الكاميرا والميكروفون عن بُعد.
وفي المقابل، نفت الحكومة البحرينية الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أنها لم تخترق أجهزة المدعيين ولم تستخدم برامج تجسس ضدهما.
ومع ذلك، كانت المحكمة الابتدائية قد رأت، استناداً إلى الأدلة والخبرات الفنية المقدمة في المرحلة التمهيدية، أن المدعيين أثبتا بالقدر المطلوب في هذه المرحلة وجود احتمال بأن تكون أجهزة مرتبطة بالبحرين أو وكلاؤها قد نفذت عملية الاختراق، مع التأكيد على أن هذه المسألة ستظل خاضعة للفصل النهائي أثناء نظر الدعوى الموضوعية.
ورحب الدكتور سعيد شهابي بالحكم، معتبراً أنه يمثل رسالة إلى الحكومات التي تستخدم وسائل المراقبة الرقمية لملاحقة معارضيها السياسيين خارج حدودها.
بينما قال موسى محمد إن القضية وصلت إلى أعلى محكمة في البلاد بعد سنوات من التقاضي، معتبراً أن من حق ضحايا المراقبة الرقمية السعي إلى المساءلة وعدم السماح للدول بالاحتماء بالحصانة الدبلوماسية للإفلات من المحاسبة.
من جانبها، قالت إيدا أدوا، المحامية في شركة “لي داي”، إن الحكم يثير أسئلة أساسية بشأن مساءلة الدول عن استخدام تقنيات المراقبة التطفلية ضد النشطاء وأعضاء المجتمع المدني، معتبرة أن القرار يشكل خطوة مهمة في مسار محاسبة الجهات التي تستخدم برامج التجسس لاستهداف معارضين يقيمون خارج بلدانهم.
ويرى خبراء قانونيون أن الحكم ستكون له انعكاسات تتجاوز أطراف القضية، إذ قد يؤثر في كيفية تعامل المحاكم البريطانية مع دعاوى مستقبلية تتعلق باستخدام برامج التجسس الحكومية ضد أفراد داخل المملكة المتحدة، كما قد يحد من قدرة الدول الأجنبية على التمسك بالحصانة السيادية في القضايا المرتبطة بالمراقبة الرقمية والأضرار النفسية الناجمة عنها.
ويفتح القرار القضائي الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة التالية من الدعوى، حيث ستنظر المحكمة في الأدلة المتعلقة بجوهر الاتهامات، وما إذا كانت الحكومة البحرينية مسؤولة بالفعل عن اختراق أجهزة المدعيين، وهي ادعاءات ما تزال البحرين تنفيها بصورة قاطعة، ولم يصدر حتى الآن حكم قضائي نهائي يفصل في صحتها.




