البحرين توسّع ملف “ولاية الفقيه”.. من محاكمة الأفعال إلى تجريم الأفكار

دخل مفهوم “ولاية الفقيه” منذ مايو/أيار 2026 بصورة غير مسبوقة إلى قلب الخطاب الأمني والقضائي في البحرين، بعدما انتقل المصطلح من كونه نظرية دينية سياسية محل خلاف داخل الفقه الشيعي حول شرعيتها وحدودها، إلى محور في بيانات رسمية تصفه بأنه أساس لمشروع سياسي وتنظيمي مرتبط بإيران والحرس الثوري، قبل أن ينتقل لاحقاً إلى لوائح اتهام ومحاكمات شملت مئات المتهمين، بينهم عدد كبير من رجال الدين الشيعة، وفق تقرير رابطة الصحافة البحرينية.
وتطرح هذه القضايا، بحسب الرابطة، سؤالاً يتجاوز أعداد المتهمين إلى طبيعة الجرائم نفسها واللغة المستخدمة في توصيفها: أين تنتهي مساءلة الفرد عن فعل إجرامي محدد، وأين تبدأ مساءلته عن معتقد أو نظرية سياسية أو دينية يتبناها؟
ولا تنفي هذه التساؤلات حق الدولة في التحقيق في جرائم التخابر أو تمويل الإرهاب أو التحريض على العنف أو تأسيس تنظيمات مسلحة تستخدم القوة، وهي أفعال يجوز للدولة، بل يتعين عليها، التحقيق فيها متى توافرت أدلة جدية.
لكن الإشكالية تظهر، بحسب التقرير، عندما تتداخل الأفعال المادية والجرائم المحددة مع عبارات مثل “نشر وترسيخ فكر ولاية الفقيه” و”الولاء للولي الفقيه” و”تكريس الأفكار المناوئة لنظام الحكم”، بما يجعل من الصعب تحديد ما إذا كان الفكر مجرد دليل مساعد على جريمة، أم جزءاً من الجريمة، أم أنه أصبح الجريمة ذاتها.
من خطاب سياسي إلى ملف جنائي
بدأ التحول بصورة واضحة في خطاب وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في 12 مايو/أيار 2026، عندما وصف ولاية الفقيه بأنها مشروع سياسي عابر للحدود يجعل ولاء أتباعها السياسي للمرشد الإيراني، وربطها بتنظيم قال إنه تشكل من أعضاء في المجلس العلمائي المنحل وله صلات بالحرس الثوري الإيراني.
وتحدث الوزير أيضاً عن أموال وعمليات تجنيد وتدريب وارتباطات خارجية.
وفي 31 مايو/أيار، أعلنت النيابة العامة أن تحقيقاتها تتناول ما وصفته بـ”التنظيم الرئيسي المرتبط بالحرس الثوري الإيراني وفكر ولاية الفقيه”، واتهمت أعضاء فيه بالهيمنة على المساجد والمآتم والحوزات، وتجنيد أشخاص لدراسة منهج ولاية الفقيه في إيران ونشره في البحرين، إلى جانب جمع الأموال والتحريض على الشغب والأعمال الإرهابية.
وانتقلت القضية بعد ذلك إلى القضاء. ففي 5 يوليو/تموز، أعلنت النيابة إحالة 19 متهماً، بينهم 11 محبوساً وثمانية هاربين، بتهم تأسيس وإدارة جماعة إرهابية.
وقالت النيابة إن التحقيقات كشفت عن جمع أموال والتخابر مع إيران والحرس الثوري، والسعي إلى تغيير النظام الدستوري بالقوة ووسائل غير مشروعة، كما أشارت إلى ضبط مبالغ مالية و”كتب ومؤلفات وأوراق” قالت إنها تتصل بنشاط الجماعة.
وفي 14 و15 يوليو/تموز، أعلنت النيابة قضيتين أخريين تضمان 15 و17 متهماً على التوالي، باتهامات مرتبطة بالانضمام إلى جماعة تحمل الأهداف ذاتها.
وتقول رابطة الصحافة البحرينية إن الجمهور لم يتمكن من الاطلاع على الأدلة التي قدمتها النيابة العامة أو الأجهزة الأمنية بشأن اتهامات التخابر مع دولة أجنبية وتمويل تنظيم إرهابي والتحريض المباشر على العنف.
وترى الرابطة أن الإشكالية تكمن في وضع عبارات مثل “نشر وترسيخ فكر ولاية الفقيه” و”تكريس الأفكار المناوئة” و”دراسة منهج ولاية الفقيه ونشره” إلى جانب الأفعال الجنائية، معتبرة أن هذه الأنشطة تقع في أصلها داخل مساحة الاعتقاد والتعبير، ما لم ترتبط بصورة مباشرة ومثبتة بفعل إجرامي.
ما الذي يعاقب عليه القانون؟
يعرّف قانون حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية رقم 58 لسنة 2006 الإرهاب بالاستناد إلى استخدام القوة أو التهديد بها أو وسيلة أخرى غير مشروعة تشكل جريمة، في إطار مشروع إجرامي وبغرض الإخلال بالنظام العام أو أمن المملكة أو الوحدة الوطنية وغيرها من الأغراض المحددة في القانون.
وتشير الرابطة إلى أن القضاء البحريني سبق أن وضع حداً فاصلاً بين الدعوة السياسية والجريمة الإرهابية.
ففي حكم سابق لمحكمة التمييز يتعلق بتفسير المادة السادسة من قانون الإرهاب، قررت المحكمة، بحسب التقرير، أن مجرد دعوة تنظيم إلى تغييرات اجتماعية أو دستورية لا يكفي لاعتباره تنظيماً إرهابياً، ما لم يكن استعمال القوة أو الإرهاب أو وسيلة غير مشروعة من الوسائل التي يعتمد عليها لتحقيق أهدافه.
وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في القضايا الحالية، لأن المعيار، وفق الرابطة، لا ينبغي أن يكون ما إذا كان المتهم يؤمن بولاية الفقيه أو يعارض النظام السياسي البحريني أو يدعو إلى تغييره، وإنما ما إذا كان قد شارك في تنظيم يستخدم الإرهاب أو ارتكب فعلاً مجرّماً يمكن إثباته بصورة مستقلة.
كما يربط قانون الإرهاب، عند تجريمه الترويج للأعمال الإرهابية، العقوبة في المادة 11 بالترويج أو التمجيد أو التشجيع لأعمال تشكل نشاطاً إرهابياً معاقباً عليه، إلى جانب تجريم حيازة مواد من هذا النوع بقصد توزيعها أو إطلاع الآخرين عليها.
وترى الرابطة أن ذلك يختلف قانونياً عن تجريم كتاب أو عقيدة سياسية لمجرد مضمونها، بما في ذلك الكتب والبحوث التي قدمتها النيابة العامة ووزارة الداخلية كأدلة إدانة.
حرية الاعتقاد ليست حرية ارتكاب الجريمة
يكفل دستور البحرين في المادة 22 حرية الضمير ويصفها بأنها “مطلقة”، كما تكفل المادة 23 حرية الرأي والتعبير، وإن أخضعتها لقيود تتعلق بالعقيدة الإسلامية ووحدة الشعب ومنع إثارة الفرقة والطائفية.
وانضمت البحرين في 2006 إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما أكدت الحكومة البحرينية أمام لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن العهد أصبح، بعد نشره في الجريدة الرسمية، ذا قوة قانونية ويمكن الاحتجاج بأحكامه أمام المحاكم الوطنية.
ويفرق العهد الدولي بوضوح بين “الاعتقاد” و”التعبير عنه”. فالمادة 18 تحمي حرية الفكر والضمير والدين، وأكدت لجنة حقوق الإنسان أن حرية اعتناق المعتقد في ذاتها لا يجوز تقييدها.
أما إظهار المعتقد وممارسته، فيمكن إخضاعهما لقيود قانونية ضرورية لحماية الأمن أو النظام العام أو حقوق الآخرين.
ويمتد الأمر إلى المادة 19، التي تحمي الآراء السياسية والدينية، إذ لا يجوز، وفق تفسير لجنة حقوق الإنسان، تجريم مجرد اعتناق رأي أو إخضاع شخص للاعتقال أو المحاكمة بسبب رأيه الفعلي أو المفترض.
أما التعبير عن الرأي فيمكن تقييده لأسباب منها الأمن القومي والنظام العام، بشرط أن يكون القيد منصوصاً عليه في القانون وضرورياً ومتناسباً مع خطر محدد.
وبذلك، لا يوفر القانون الدولي حصانة لمن يستخدم العقيدة الدينية ستاراً لتمويل العنف أو التخابر أو تأسيس جماعة إرهابية، لكنه في المقابل لا يسمح بتحويل العقيدة ذاتها إلى جريمة.
محاكمة تنظيم أم محاكمة مذهب؟
تقول الرابطة إن الحدود بين الأمرين تبدو أقل وضوحاً في الخطاب المحيط بالقضايا الحالية.
وتثير عبارة النيابة عن ضبط “كتب ومؤلفات” لدى بعض المتهمين سؤالاً حول القيمة الإثباتية لهذه المواد: هل تتضمن تعليمات لتنفيذ جرائم أو اتصالات تنظيمية، أم أنها مؤلفات فقهية وسياسية تتناول ولاية الفقيه؟
وترى الرابطة أن الفارق بين الحالتين جوهري وحاسم. كما تعتبر أن تعبير “تكريس الأفكار المناوئة لنظام الحكم” بالغ الحساسية قانونياً، لأن معارضة النظام أو نقده أو الدعوة السلمية إلى إصلاحه لا يمكن مساواتها تلقائياً بالدعوة إلى إسقاطه بالعنف.
وفي هذا السياق، تكتسب القاعدة التي أرستها محكمة التمييز البحرينية بشأن ضرورة إثبات الوسيلة الإرهابية أهمية خاصة.
وعلى المستوى الإجرائي، تؤكد النيابة العامة أن المتهمين مثلوا بحضور محاميهم، وأن المحكمة منحت الدفاع آجالاً للاطلاع على الأوراق وصرحت للمحامين بزيارة موكليهم.
في المقابل، يقول منتدى البحرين لحقوق الإنسان إن جلسة 19 أغسطس/آب استمرت أكثر من 13 ساعة، وإن إجراءات مناقشة شهود الإثبات والاتصال بالمحامين والاطلاع على الأدلة تثير مخاوف تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة.
ووفق المنتدى، قسمت القضايا بعد ذلك على جلسات عقدت في 30 و31 أغسطس/آب و1 و2 سبتمبر/أيلول.
وتؤكد الرابطة أن هذه ادعاءات حقوقية تحتاج إلى تحقيق مستقل، ولا تكفي بذاتها للحكم على سلامة المحاكمة أو بطلانها. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن المعايير الدولية للمحاكمة العادلة تتطلب منح المتهم الوقت والتسهيلات الكافية لإعداد دفاعه، وتمكين الدفاع من الاطلاع على الأدلة المستخدمة ضده، وإتاحة فرصة فعلية لمناقشة شهود الإثبات.
الاختبار الحقيقي للقضاء
تقول رابطة الصحافة البحرينية إن طبيعة هذه القضايا ستتحدد في النهاية ليس من خلال وصف “ولاية الفقيه” الوارد في البيانات السياسية، وإنما من خلال الأدلة التي ستعتمد عليها المحكمة لإدانة كل متهم على حدة.
فإذا أثبت الادعاء وجود أموال مخصصة لتنظيم إرهابي، أو اتصالات وتكليفات من الحرس الثوري، أو تحريض محدد على أعمال عنف، أو مشاركة واعية في بنية تنظيمية تستخدم الإرهاب، فإن القضية ستكون في جوهرها قضية أفعال جنائية، بصرف النظر عن العقيدة التي يتبناها أصحابها.
أما إذا أصبحت دراسة ولاية الفقيه أو تبنيها فقهياً أو الدعوة إليها أو معارضة النظام السياسي أدلة قائمة بذاتها على الانتماء إلى جماعة إرهابية، فإن البحرين ستكون أمام تحول مختلف، بحسب الرابطة، يتمثل في الانتقال من تجريم الفعل إلى تجريم الفكرة التي يُعتقد أنها تقف خلفه.
وتخلص الرابطة إلى أن هذا هو الاختبار الأهم في المحاكمات الجارية، مؤكدة أن الدولة تملك حق حماية أمنها من التنظيمات المرتبطة بالخارج ومن العنف السياسي، لكنها مطالبة في الوقت ذاته بإثبات الجريمة بالفعل والدليل الفردي، لا بالهوية المذهبية أو الانتماء الفكري. وبين الأمرين، تضع الرابطة المسافة التي تفصل دولة القانون عن محاكمة المعتقدات.




