تشديد القبضة الأمنية في البحرين يعيد إلى الواجهة هواجس ثورة 2011

أعاد التصعيد الأمني الذي شهدته البحرين بالتزامن مع التطورات العسكرية المستمرة في المنطقة إلى الواجهة هواجس ثورة 2011 وفتح باب التساؤلات بشأن دوافع الإجراءات التي اتخذتها سلطات النظام الخليفي، في وقت يرى فيه مراقبون أن هذه التدابير تجاوزت التعامل مع تداعيات الحرب الخارجية لتشمل إدارة المجال الداخلي ومنع أي تحركات شعبية محتملة.
ويذهب الكاتب والباحث جواد عبد الوهاب، في قراءة تحليلية للمشهد البحريني، إلى أن الحرب لم تكن العامل الوحيد الذي دفع السلطات إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، بل إن المخاوف المرتبطة بإمكانية عودة الحراك الشعبي لعبت دوراً رئيسياً في رسم ملامح الاستجابة الرسمية، مستنداً إلى تجربة الاحتجاجات التي شهدتها البلاد عام 2011 وما تركته من آثار عميقة في طريقة تعامل الدولة مع أي مؤشرات على تحركات جماهيرية.
وبحسب عبد الوهاب، فإن السلطات البحرينية باتت تتعامل مع احتمال تشكل أي حراك سياسي باعتباره تهديداً ينبغي احتواؤه في مراحله الأولى، انطلاقاً من قناعة تشكلت بعد احتجاجات فبراير/شباط 2011، التي بدأت بتحركات محدودة قبل أن تتوسع سريعاً وتتحول إلى أزمة سياسية وأمنية استمرت آثارها لسنوات.
ويرى عبد الوهاب أن الدرس الذي استخلصته السلطة من تلك المرحلة لم يكن توسيع المشاركة السياسية أو فتح قنوات للحوار، وإنما تطوير أدوات أكثر فاعلية لمنع تشكل أي حراك قبل ظهوره، عبر تبني سياسات تقوم على الردع الاستباقي وتشديد القبضة الأمنية وإرسال رسائل واضحة بأن أي محاولة للنزول إلى الشارع ستواجه بإجراءات صارمة.
وفي هذا السياق، جاءت الحرب الأخيرة لتضيف بعداً جديداً إلى المشهد الداخلي، إذ تزامن الموقف الرسمي البحريني مع تحالفاته الإقليمية والدولية، بينما كان من المتوقع أن تحمل قطاعات من الرأي العام مواقف مختلفة تجاه التطورات العسكرية ودور الولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما جعل إدارة الشارع تمثل أولوية لا تقل أهمية عن إدارة تداعيات الأزمة الخارجية.
ويشير عبد الوهاب إلى أن السلطات الخليفية سعت إلى الحيلولة دون ظهور أي مشهد يعكس تبايناً بين الموقف الرسمي والمواقف الشعبية، الأمر الذي يفسر، بحسب الكاتب، تصاعد الإجراءات الأمنية خلال الفترة الماضية.
وشملت تلك الإجراءات تنفيذ حملات اعتقال، وتشديد القيود الأمنية، وإسقاط الجنسية عن بعض الأشخاص، وإبعاد آخرين، إلى جانب فرض قيود على المجال الديني وإجراءات أثارت جدلاً واسعاً بشأن إدارة الأوقاف والشعائر الدينية.
كما لفت إلى أن حادثة وفاة المواطن محمد الموسوي أثناء الاحتجاز وما أثير حولها من اتهامات بوجود آثار تعذيب ساهمت في تصاعد حالة القلق داخل المجتمع، وزادت من المخاوف المرتبطة باتساع نطاق الإجراءات الأمنية.
ويرى عبد الوهاب أن الرسالة التي تحملها هذه الإجراءات لا تستهدف الأشخاص الذين طالتهم بصورة مباشرة فحسب، بل تمتد إلى المجتمع بأكمله، بهدف ترسيخ قناعة بأن أي محاولة لتحويل حالة الغضب الشعبي إلى نشاط سياسي ستكون كلفتها مرتفعة.
ويضع الكاتب هذه السياسات ضمن نمط أوسع تتبعه بعض الحكومات خلال فترات الأزمات الإقليمية، حيث يجري توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل النشاط السياسي الداخلي، فتتحول قضايا حرية التعبير والدعوة إلى التظاهر من ملفات سياسية إلى ملفات أمنية، بما يبرر تشديد الرقابة وتوسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية.
ويشير إلى أن هذا النهج قد ينجح في الحد من المظاهر العلنية للاحتجاج، لكنه لا يعالج الأسباب التي تولد الاحتقان السياسي والاجتماعي، إذ إن الاعتماد المتزايد على الأدوات الأمنية قد يؤدي إلى تأجيل الأزمات بدلاً من معالجتها بصورة مستدامة.
كما يرى أن اتساع الفجوة بين السلطة وقطاعات من المجتمع يجعل الحفاظ على الاستقرار أكثر ارتباطاً بإجراءات الردع الأمني، وأقل اعتماداً على بناء توافقات سياسية أو تعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين.
ويخلص عبد الوهاب إلى أن السؤال الجوهري لا يتعلق بسبب تشديد الإجراءات الأمنية بالتزامن مع الحرب، وإنما بسبب اعتبار مجرد احتمال خروج المواطنين للتعبير عن آرائهم خطراً يستوجب هذا المستوى من التدابير.
وشدد على أن الإجابة تكمن في خشية سلطات النظام الخليفي من أن تكشف أي مساحة للتعبير عن وجود تباين بين الخطاب الرسمي والمواقف التي قد يعبر عنها الشارع إذا أتيحت له حرية الحركة.
ويضيف أن هذا الواقع يجعل حماية الرواية الرسمية جزءاً أساسياً من المقاربة الأمنية الحالية، بحيث يصبح منع الاحتجاجات هدفاً قائماً بذاته، وليس مجرد إجراء مؤقت فرضته ظروف الحرب.
ويختتم التحليل بالإشارة إلى أن استمرار الاعتماد على القبضة الأمنية قد يحقق هدوءاً مرحلياً، إلا أنه يترك، بحسب الكاتب، تساؤلات مفتوحة بشأن قدرة هذا النهج على تحقيق استقرار طويل الأمد، في ظل استمرار النقاش حول العلاقة بين الأمن والانفتاح السياسي، وما إذا كان الاستقرار الدائم يمكن أن يتحقق من خلال القيود الأمنية وحدها أم عبر بناء عقد سياسي يتيح للمجتمع التعبير عن مواقفه ضمن إطار قانوني وسياسي مستقر.




