Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
انتهاكات حقوق الإنسان

القبضة الأمنية تتعزز في البحرين ومنظمات حقوقية تجدّد الدعوة للعدالة الانتقالية

بعد خمسة عشر عامًا على انتفاضة 14 فبراير في البحرين، تتواصل تداعيات الأزمة السياسية والحقوقية في ظل غياب حلول جذرية، مقابل ترسيخ متواصل لواقع القبضة الأمنية بوصفها النهج الحاكم لإدارة الشأن العام.

فبدلًا من تبنّي مسارات سياسية وحقوقية تعالج أسباب الاحتقان، اتجهت السلطة إلى توسيع الإطار التشريعي ذي الطابع الأمني، بما شمل قوانين الإرهاب والعقوبات والتجمعات، وصولًا إلى تشديد الرقابة على الفضاء الرقمي، بالتوازي مع تقويض المجال السياسي العام وحل الجمعيات السياسية وتوسيع العزل السياسي.

وخلال هذه السنوات، لم يقتصر الأمر على إغلاق المجال السياسي المنظم، بل امتد إلى فرض اشتراطات أمنية مباشرة على عمل المجتمع المدني، من بينها حضور مندوبي وزارة الداخلية في لقاءات منظمات المجتمع المدني مع الجهات الخارجية.

وفي وقت شهدت فيه البلاد تراجعًا اقتصاديًا ملحوظًا وتحديات مالية متصاعدة، برز ارتفاع الإنفاق الأمني بوصفه أولوية ثابتة، ما عكس، وفق مراقبين، تغليب منطق السيطرة الأمنية على حساب الإصلاح السياسي والحقوقي.

في هذا السياق، جدّد منتدى البحرين لحقوق الإنسان، في بيان صدر بمناسبة ذكرى الرابع عشر من فبراير، تأكيده أن معالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان تمثّل المدخل الحقيقي لأي استقرار مستدام.

وحذّر المنتدى من أن تجاهل الماضي أو القفز عليه لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وإدامة فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع، مؤكدًا أن أي مشروع إصلاحي لا يضع العدالة في صلبه سيظل عاجزًا عن إغلاق ملفات الألم أو منع تكرار الانتهاكات.

وأوضح المنتدى أن العدالة الانتقالية ليست خيارًا سياسيًا ظرفيًا ولا إجراءً استثنائيًا مؤقتًا، بل إطار قانوني وحقوقي متكامل يهدف إلى كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات، وضمان عدم تكرارها.

واعتبر أن هذا المسار يشكّل تعبيرًا عمليًا عن احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، ويؤسس لعلاقة جديدة بين الدولة والمجتمع قائمة على الشفافية والمساءلة بدل الإقصاء والإكراه.

وأشار البيان إلى أن الانتهاكات التي شهدتها البحرين خلال السنوات الماضية لم تكن حوادث معزولة أو فردية، بل اتسمت بطابع ممنهج.

وشملت هذه الانتهاكات، بحسب المنتدى، الاعتقال التعسفي، وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، والمحاكمات التي افتقرت إلى معايير العدالة، فضلًا عن تقييد الحريات العامة واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان والناشطين السياسيين.

وشدد المنتدى على أن معالجة هذا الواقع لا يمكن أن تتم عبر إجراءات شكلية أو جزئية، بل تتطلب مسارًا شاملًا وجادًا يعالج جذور الأزمة بدل الاكتفاء بإدارة نتائجها.

ومنذ عام 2011، شهدت البحرين مسارًا متصاعدًا من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، شمل الاستخدام المفرط للقوة، والاعتقال التعسفي، والتعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز، والمحاكمات غير العادلة، إضافة إلى إسقاط الجنسية وتنفيذ أحكام الإعدام، وتقييد الحريات العامة، وحل الجمعيات السياسية، وتشريع العزل السياسي وتوسيع نطاق تطبيقه، إلى جانب تقويض حرية التجمع السلمي.

واعتبر المنتدى أن غياب مسار حقيقي للعدالة الانتقالية، قائم على الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، شكّل عاملًا رئيسيًا في تطور هذه الانتهاكات وتحولها من ممارسات طارئة إلى أنماط مستمرة، في ظل الإفلات من العقاب وغياب الإصلاح المؤسسي.

وأكد المنتدى أن عدم معالجة إرث الانتهاكات منذ 2011 أسهم في إعادة إنتاجها بأشكال مختلفة، وأدى إلى تعميق معاناة الضحايا وإضعاف الثقة المجتمعية.

وشدد على أن غياب العدالة الانتقالية لم يكن مجرد قصور في المعالجة، بل سببًا مباشرًا لاستمرار الأزمة الحقوقية وتفاقمها، بما انعكس سلبًا على الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد.

وانطلاقًا من ذلك، طرح المنتدى خمسة مرتكزات أساسية لأي مسار جاد للعدالة الانتقالية. أولها الحق في الحقيقة، باعتباره حقًا أصيلًا للضحايا وللمجتمع ككل، ولا يمكن بناء مصالحة حقيقية من دونه، وذلك عبر كشف الوقائع بشفافية من خلال آليات مستقلة وذات مصداقية. وثانيها المساءلة وعدم الإفلات من العقاب، حيث لا معنى لأي مسار عدالة انتقالية يستبعد مبدأ المحاسبة العادلة والمنصفة بوصفها ضمانة أساسية لمنع تكرار الانتهاكات وتعزيز الثقة في مؤسسات الدولة.

أما المرتكز الثالث فيتمثل في جبر الضرر وإنصاف الضحايا، من خلال اعتماد برامج شاملة تشمل التعويض ورد الاعتبار والتأهيل النفسي والاجتماعي، بما يراعي الأبعاد الإنسانية والقانونية لمعاناة الضحايا وأسرهم.

ورابعها الإصلاح المؤسسي وضمانات عدم التكرار، وفي مقدمتها تعزيز استقلال القضاء، ومراجعة التشريعات المقيدة للحريات، وضمان خضوع الأجهزة الأمنية للمساءلة القانونية.

ويكمل ذلك المرتكز الخامس المتعلق بإشراك الضحايا والمجتمع المدني، إذ يؤكد المنتدى أن أي عملية عدالة انتقالية لا تكتسب الشرعية أو الفاعلية ما لم تقم على مشاركة فعلية للضحايا وتمكين المجتمع المدني من أداء دوره بحرية واستقلال.

وختم المنتدى بالتأكيد على أن العدالة الانتقالية تمثل خيارًا وطنيًا جامعًا يهدف إلى طي صفحة الانتهاكات عبر معالجتها لا إنكارها، وبناء مستقبل قائم على احترام الحقوق والحريات وسيادة القانون، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو الانتقام، مجددًا دعوته إلى إطلاق مسار جاد وشامل للعدالة الانتقالية في البحرين يستند إلى المعايير الدولية لحقوق الإنسان ويضع كرامة الإنسان في صلب أي مشروع إصلاح ومصالحة وطنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة × 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى