العزل السياسي في البحرين: دولة تُدار بالقوانين الاستثنائية وإرادة تُقصى بالقوة الناعمة

على مدى عقود، شكل العزل السياسي في البحرين ركيزة ثابتة في بنية الحكم الخليفي، وأداة مركزية لإدارة المجال العام عبر الإقصاء المنهجي للإرادة الشعبية وتفريغ السياسة من معناها التمثيلي.
ويؤكد مراقبون أن ما جرى لم يكن صراعًا على تفاصيل دستورية، بل مسارًا متصلًا هدفه ضبط المجتمع وإعادة تعريف المشاركة بوصفها امتيازًا تمنحه السلطة لا حقًا أصيلًا للمواطنين.
البداية الصريحة لهذا المسار تعود إلى عام 1992، عندما قررت السلطة القفز فوق مطلب إعادة المجلس الوطني المنحلّ، واستعاضت عنه بمجلس شورى مُعيّن بالكامل، في خطوة جسّدت انتقال العزل السياسي من الممارسة الأمنية إلى الصيغة المؤسسية.
آنذاك، لم تكتفِ السلطة برفض العريضتين النخبوية والشعبية، بل أعادت تفعيل “قانون أمن الدولة” بوصفه عصا الردع الأساسية، لتؤكد أن خيار الانغلاق كان قرارًا استراتيجيًا لا اضطرارًا مؤقتًا.
ومع انقضاء التسعينيات الدموية وتراجع القبضة الأمنية المباشرة، بدا للوهلة الأولى أن مشروع “الإصلاحات” الذي أُطلق عام 2002 يمثل قطيعة مع الماضي.
غير أن الوقائع أثبتت سريعًا أن الأمر لم يكن سوى إعادة تدوير للعزل السياسي بأدوات أكثر نعومة. فالميثاق الذي صوّت عليه الشعب تحوّل إلى سقف تم الالتفاف عليه، والدستور المعدّل فُرض من أعلى، بينما جرى تثبيت مجلس الشورى المُعيّن كفاعل تشريعي كامل الصلاحيات، في خرق واضح لفكرة السيادة الشعبية.
ومنذ اللحظة الأولى للانتخابات النيابية والبلدية، اتضحت معالم النظام الانتخابي بوصفه هندسة إقصائية محكمة.
دوائر انتخابية مفصّلة على أسس طائفية غير متوازنة، حيث تتكدس عشرات الآلاف من الأصوات في دائرة واحدة مقابل دوائر صغيرة تُنتج تمثيلًا مضاعفًا، إلى جانب مراكز اقتراع عامة تُستخدم لتوجيه أصوات المجنّسين والعسكريين، ما حوّل العملية الانتخابية إلى آلية ضبط سياسي لا وسيلة تمثيل.
ولم تقف أسوار العزل عند حدود التوزيع الجغرافي للأصوات، بل امتدت إلى داخل البرلمان نفسه. فاللائحة الداخلية للمجلس النيابي قيّدت أدوات الرقابة إلى حدّ الشلل، واشترطت أغلبية شبه مستحيلة لاستجواب الوزراء، فيما ظلّ القرار التشريعي النهائي مرهونًا بموافقة مجلس الشورى المعيّن.
بذلك، أُفرغ البرلمان المنتخب من جوهره، وتحول إلى واجهة شكلية لسلطة تحتفظ بجميع مفاتيح القرار.
ويشبه هذا النموذج من “العزل المتدرج” دوامة تضييق محسوبة: تبدأ بهوامش محدودة، ثم تنكمش تدريجيًا حتى تُحاصر الفاعلين السياسيين داخل دائرة مغلقة، حيث يصبح أي تجاوز، مهما كان محدودًا، سببًا كافيًا للإقصاء الكامل. ومع مرور الوقت، لم يعد العزل استثناءً، بل القاعدة الحاكمة للمشهد السياسي.
في عام 2018، جاء تقنين العزل السياسي ليكشف ما كان مستترًا. فبعد سنوات من الحلول الأمنية ضد المعارضة، وإسقاط الجنسية عن شخصيات دينية بارزة، وحلّ جمعيات سياسية كبرى مثل “الوفاق” و“وعد”، انتقلت السلطة إلى مرحلة الحسم القانوني.
وقد عُدّلت القوانين لتمنع عمليًا أي معارض من العودة إلى المجال العام، ليس فقط عبر الترشح للانتخابات، بل حتى من خلال العمل الأهلي والمدني.
وشكلت التعديلات التي أُدخلت على “قانون مباشرة الحقوق السياسية” و“قانون الجمعيات والأندية” إعلانًا صريحًا عن شطب فئات واسعة من المجتمع.
إذ أن ربط التمتع بالحقوق السياسية بعضوية الجمعيات المنحلّة، أو بمواقف سياسية سابقة، حوّل القوانين إلى أدوات عقاب جماعي، تتجاوز الفرد إلى محيطه الاجتماعي بالكامل.
وبحسب تقديرات المعارضة، فإن هذه التشريعات تعزل أكثر من 80 ألف مواطن عن الحياة العامة، في بلد صغير المساحة والسكان، ما يعكس عمق الشرخ السياسي وانعدام الثقة بين السلطة والمجتمع.
والأخطر أن العزل لم يعد يقتصر على السياسة، بل تمدد ليطال الجمعيات الخيرية والرياضية والثقافية، وكأن الهدف هو تجفيف أي فضاء مستقل يمكن أن يُنتج وعيًا أو تنظيمًا خارج السيطرة الرسمية.



