النظام الخليفي يحول الحرب الإقليمية إلى مشروع تفكيك وابتزاز طائفي

تكشف التطورات الأخيرة في البحرين عن انتقال خطير في سلوك النظام الخليفي من إدارة الأمن الداخلي إلى توظيف الحرب الإقليمية كغطاء لتصعيد مشروع قمعي قائم على تفكيك وابتزاز طائفي لإعادة تشكيل المجتمع.
وتعتمد السلطة في المنامة على معادلة مقلوبة، بدل تحصين الداخل في مواجهة التوترات الإقليمية، يجري توجيه أدوات القوة نحو المواطنين أنفسهم، عبر تضخيم المخاوف الأمنية واستخدامها لتبرير سياسات قمعية متصاعدة.
ومع احتدام الصراع في المنطقة، اختار النظام استثمار هذا المناخ لإعادة إنتاج سردية “الخطر الداخلي”، لكن بصيغة أكثر حدّة، تقوم على الفرز الطائفي الصريح.
وقد تجلّى هذا التوجه في سلوك ميداني غير مسبوق، تمثّل في تحويل مناطق سكنية إلى مواقع عسكرية، عبر نشر منصات صواريخ اعتراض داخل أحياء مدنية مثل جزيرة نوارنا وشرق الحد.
وهذا القرار يمكن قراءته كدلالة على عقلية أمنية لا تتردد في تعريض المدنيين للخطر، عبر وضعهم في قلب بنك الأهداف المحتملة، في مخالفة واضحة للأعراف الدولية التي تعتبر هذه المواقع أهدافًا مشروعة في النزاعات.
بالتوازي، تصاعدت حملة أمنية واسعة طالت مئات المواطنين، عبر استدعاءات واعتقالات عشوائية، ترافقت مع انتشار مكثف لنقاط التفتيش التي تحولت عمليًا إلى أدوات فرز طائفي.
ولم تعد هذه الحواجز تؤدي وظيفة أمنية تقليدية، بل باتت تمارس دور “محاكم ميدانية” تُخضع الأفراد لاستجوابات تمس قناعاتهم وتفاعلاتهم اليومية، في سلوك يكشف عن انهيار خطاب “التعايش” الذي طالما روّجت له السلطة.
في المجال الإعلامي، انخرطت المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية في حملة ممنهجة لتأجيج الانقسام، عبر خطاب تخويني يستهدف المكوّن الشيعي، ويقدّمه كخطر داخلي يجب احتواؤه أو إقصاؤه.
ولا يقف هذا الخطاب عند حدود التحريض، بل يمهّد لسياسات أكثر خطورة، تشمل التهديد بسحب الجنسية، والتلويح بالإعدام، وحتى الحديث عن التهجير، ما يعكس انتقالًا من الإقصاء السياسي إلى ما يمكن وصفه بـ”الهندسة الديموغرافية”.
ويدعم هذا التوجه نشاط مكثف لما يُعرف بالذباب الإلكتروني، الذي يعمل على ضخ محتوى تحريضي باستخدام هويات مصطنعة، في محاولة لإظهار الانقسام الطائفي كحالة مجتمعية طبيعية، بينما هو في الواقع نتاج هندسة سياسية مقصودة. هذه الاستراتيجية تهدف إلى خلق بيئة مشحونة تبرر استمرار القبضة الأمنية وتمنع أي تقارب مجتمعي.
في موازاة ذلك، تلجأ الأجهزة الأمنية إلى أساليب أكثر قسوة، من بينها التشهير بالمعتقلين عبر نشر صورهم واتهامهم بتهم خطيرة قبل محاكمتهم، في خرق واضح لمبادئ العدالة. هذه الممارسات لا تستهدف الأفراد فقط، بل تسعى إلى كسر الروح المعنوية للمجتمع، وإيصال رسالة مفادها أن الدولة قادرة على سحق أي معارضة دون مساءلة.
وداخل مراكز الاحتجاز، تتصاعد التقارير عن ممارسات تعذيب ممنهجة، في بيئة توصف بأنها خارج أي رقابة قانونية. وتأتي حادثة وفاة المعتقل السيد محمد الموسوي تحت التعذيب لتسلّط الضوء على هذا الواقع، حيث تحوّلت السجون إلى فضاءات للعقاب الجماعي، تُستخدم لترهيب المجتمع بأكمله، لا لمعاقبة أفراد بعينهم.
كما تتكامل هذه السياسات مع ظاهرة الإخفاء القسري، التي تُستخدم كأداة لإبقاء العائلات في حالة قلق دائم، وتعزيز مناخ الخوف العام. هذا النمط من الانتهاكات يعكس تحوّل الدولة من كيان يفترض أن يحمي مواطنيه إلى جهاز أمني يعمل على إخضاعهم بكل الوسائل.
ويبدو أن السلطة تحاول استغلال الظرف الإقليمي لإعادة تبرير تاريخ طويل من القمع، عبر تقديمه كجزء من “ضرورات الأمن القومي”. هذه المقاربة تسعى إلى إعادة كتابة الرواية منذ عام 2011، وتحويل الانتهاكات السابقة إلى سياسات مشروعة في سياق الحرب على “التهديدات”.
لكن هذا المسار يكشف في جوهره عن أزمة شرعية عميقة، حيث تلجأ السلطة إلى فرض “ولاءات قسرية” على شخصيات ومؤسسات دينية واجتماعية، في محاولة لتعويض غياب القبول الشعبي. هذا السلوك لا يعكس قوة، بل هشاشة بنيوية تدفع النظام للاعتماد على أدوات الإكراه بدل بناء الثقة.
وتشير هذه السياسات إلى أن البحرين تدخل مرحلة خطرة، حيث يتحول الانقسام الطائفي من أداة سياسية إلى بنية حاكمة، ما يهدد بتفكيك النسيج الاجتماعي على المدى الطويل. فالدولة التي تختار مواجهة مجتمعها بدل احتوائه، تضع نفسها في مسار تصادمي مفتوح، لا يمكن أن ينتج استقرارًا، بل يعمّق الأزمات ويؤجل انفجارها.




