Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار

خمسة عشر عامًا على انتفاضة البحرين: أزمة سياسية عالقة وسلطة ترفض الاعتراف بالشرعية الشعبية

تطوي انتفاضة البحرين عامها الخامس عشر، من دون أن يلوح في الأفق أي أفق حقيقي للحل، في مشهد بات عنوانه الأبرز الاستبداد السياسي الحاد، ورفض السلطة المزمن للتطلعات الشعبية، والعيش الدائم خارج منطق الشرعية الوطنية.

خمسة عشر عامًا مرّت منذ خرج البحرينيون إلى الشوارع في الرابع عشر من فبراير/شباط 2011، حاملين مطالب بدت في ظاهرها بسيطة: إصلاح سياسي حقيقي، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية، ومشاركة شعبية فعلية لا تكون مجرد ديكور دستوري. لكنها كانت في جوهرها مطالب ثقيلة، لأن الاستجابة لها كانت تعني إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.

منذ ذلك التاريخ، لم تتوقف السلطة عن إرسال الرسائل، عامًا بعد آخر، تؤكد فيها تمسكها بجدار الاستبداد الصلب. لا إصلاحات سياسية، بل احتكار للقرار، وتمييز، ومحسوبيات، ومناصب مرهونة بالولاءات. لا أمن للجميع، بل سجون للمعارضين وأصحاب الرأي السياسي الحر. لا حوار وطني، بل إغلاق كامل لأبواب التفاوض، وتهميش وإقصاء ممنهج لأي صوت مختلف.

والنتيجة: تجريف سياسي طال الحياة العامة على مدار عقد ونصف، انتهى بحالة من الاستفراد المطلق بالقرار الوطني، في ظل غياب شبه كامل للرقابة والمحاسبة، وتغييب قسري للجمعيات السياسية والقوى المعارضة.

لم تكن انتفاضة 2011 حدثًا عابرًا ولا نزوة مؤقتة. كانت انفجارًا مؤجلًا لعقود من الاحتقان الصامت، تراكمت فيها الشكاوى، وتكاثرت الوعود المؤجلة، حتى صار الصمت نفسه شكلًا من أشكال الاختناق.

وقد شكّل دوّار اللؤلؤة في تلك الأيام قلبًا سياسيًا نابضًا، ومساحة نادرة شعر فيها المواطن البحريني أن له حق الكلام دون خوف، وحق الحلم دون أن يُتهم بالخيانة. هناك، التقى أبناء القرى والمدن، السنة والشيعة، الفقير والموظف، الطالب والطبيب، في مشهد جسّد وطنًا ممكنًا، ولو للحظة قصيرة.

لكن فجر السابع عشر من فبراير/شباط، المعروف بـ«الخميس الدامي»، أسقط آخر أوهام البراءة السياسية. هجوم على معتصمين نائمين، بلا إنذار، وبلا أي محاولة للحوار أو الفهم. لم تكن تلك مجرد عملية أمنية، بل إعلانًا واضحًا بأن الدولة قررت اعتماد لغة واحدة: القوة.

في ذلك اليوم لم تُقتل أرواح فحسب، بل قُتلت فكرة الثقة ذاتها بين الدولة والمجتمع. ومنذ أن تسقط الثقة، لا يعود الخلل سياسيًا فقط، بل وجوديًا.

بعد ذلك اليوم، دخلت البحرين في مسار قطيعة مفتوحة. توسعت الاعتقالات، وتكاثرت المحاكمات، وأسقطت الجنسيات، وفُصل آلاف المواطنين من أعمالهم، وأُفرغت الحياة السياسية من مضمونها.

ثم جاء هدم دوّار اللؤلؤة نفسه، في خطوة رمزية هدفت إلى محو المكان والذاكرة معًا، وكأن السلطة أرادت أن تقول إن المشكلة لم تكن في المطالب، بل في مجرد اجتماع الناس حولها. غير أن الدول التي تهدم الرموز تتجاهل حقيقة بسيطة: الذاكرة لا تسكن في الحجر، بل في البشر.

ومع انسداد الأفق السياسي، لجأت السلطة إلى أحد أكثر الأسلحة بدائية وضررًا: الطائفية. جرى اختزال الأزمة في سردية مذهبية مريحة، تُحوّل المطالب السياسية إلى «تهديد طائفي» و«مؤامرة خارجية»، وتُبعد النقاش عن جوهره الحقيقي: المواطنة المتساوية.

بهذه الطريقة، تم تفتيت المجتمع، وتحويل الخلاف السياسي إلى جرح اجتماعي عميق، لا يزال ينزف حتى اليوم.

تقول السلطة اليوم إن البحرين تجاوزت الأزمة، وإن البلاد تعيش حالة من الاستقرار. لكن هذا «الاستقرار» ليس سوى استقرار خائف، يقوم على الصمت وتجنّب السياسة، لا على الرضا والمشاركة. هو هدنة طويلة بين الغضب والانفجار، لا عقد اجتماعي جديد. جيل كامل نشأ وهو يرى السياسة خطرًا، والكلمة مخاطرة، والسؤال جريمة محتملة.

كما أن آلاف الشباب إما في السجون، أو في المنافي، أو في عزلة داخلية قاسية، يراقبون وطنهم من بعيد كمن يشاهد بيته يحترق ولا يملك سوى التحديق.

بعد خمسة عشر عامًا، لا يزال السؤال الجوهري محظورًا: كيف تُحكم البحرين؟ ولصالح من يُدار القرار؟ وهل المواطن شريك في وطنه أم مجرد تابع؟ كل شيء تغيّر منذ 2011، إلا هذه الأسئلة الثقيلة التي بقيت معلّقة بلا إجابة رسمية صادقة.

انتفاضة دوّار اللؤلؤة لم تفشل لأنها كانت خاطئة، بل لأنها وُوجهت بعقلية ترى في المواطن مشكلة لا أساس الدولة. لم تسقط لأن مطالبها مستحيلة، بل لأن الاعتراف بها كان أخطر من قمعها. قد تنجح السلطة في إسكات الأصوات، لكنها لم ولن تنجح في قتل الأسئلة.

وسيبقى السؤال الأكبر يطارد البحرين مهما طال الزمن: هل تريد دولة يعيش فيها الناس آمنين لأنهم صامتون، أم دولة يعيشون فيها آمنين لأنهم أحرار؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 + واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى