البحرين تجرّم انتقاد إسرائيل: السجن 6 أشهر لمعارض بارز بسبب موقفه من التطبيع

أصدرت المحكمة الجنائية الابتدائية في البحرين حكماً بالسجن ستة أشهر وغرامة مالية بحق المعارض والناشط السياسي البارز إبراهيم شريف، على خلفية موقفه من التطبيع وانتقاده علاقات المملكة ودول عربية أخرى مع إسرائيل، في خطوة أثارت موجة استنكار واسعة واعتُبرت تصعيداً خطيراً في قمع حرية التعبير وتجريم التضامن مع القضية الفلسطينية.
وجاء الحكم، الصادر يوم الخميس، بعد احتجاز شريف منذ نوفمبر الماضي، على خلفية مقابلة إعلامية أجراها في بيروت مع قناة LuaLuaTV، أدان خلالها ما وصفه بتواطؤ أنظمة عربية مع إسرائيل، وانتقد فشلها في دعم الفلسطينيين في ظل العدوان الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة.
واعتبرت النيابة العامة البحرينية تلك التصريحات “نشرًا لأخبار كاذبة” و“إساءة للدول العربية الشقيقة وقادتها”.
وبحسب بيان نشرته النيابة العامة على حسابها في منصة “إنستغرام”، زعمت السلطات أن شريف “أدلى بتصريحات تحتوي على معلومات كاذبة ومسيئة، واتهم دولاً عربية بالتآمر والتواطؤ، ودعا شعوبها إلى المقاومة والانتفاض ضد حكوماتها”، وهي صيغة اتهام باتت مألوفة في ملفات ملاحقة المعارضين السياسيين في البحرين.
ويمثل الحكم بحق شريف سابقة لافتة، إذ يُعاقَب سياسي معارض بالسجن فعلياً بسبب انتقاده لإسرائيل والتطبيع معها، في وقت تتصاعد فيه الإدانات الشعبية العربية للعدوان الإسرائيلي على غزة منذ أكتوبر 2023.
ويرى مراقبون أن القضية تكشف بوضوح الخطوط الحمراء الجديدة التي فرضتها السلطات البحرينية، حيث بات انتقاد إسرائيل أو سياسات التطبيع يُعامل كجريمة تمس “الأمن” و“العلاقات الخارجية”.
وقال سيد أحمد الوداعي، مدير المناصرة في معهد البحرين للحقوق والديمقراطية (BIRD)، إن الحكم يمثل “مستوى جديداً من الانحطاط السياسي والقانوني”، مؤكداً أن “تجريم شخصية عامة بارزة لوقوفها مع فلسطين وتحديها للتطبيع، في ظل إبادة جماعية ترتكبها إسرائيل، يشكل سابقة خطيرة ورسالة ترهيب لكل الأصوات المعارضة”.
وأضاف الوداعي أن ما جرى “يعكس تصعيداً حاداً في الهجوم على حرية التعبير، ويؤكد أن النظام البحريني ماضٍ في استخدام القضاء كأداة لإسكات أي رأي يتعارض مع خياراته السياسية، لا سيما في ما يتعلق بإسرائيل”.
وكانت البحرين قد أعلنت تطبيع علاقاتها مع إسرائيل عام 2020 ضمن ما عُرف بـ”اتفاقيات أبراهام” برعاية الولايات المتحدة، وهي خطوة قوبلت آنذاك برفض شعبي واسع، ازداد حدّة بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث شهدت البلاد موجات غضب صامتة في ظل القمع الأمني المشدد لأي تعبير علني عن التضامن مع الفلسطينيين.
ويمثل هذا الحكم المرة العاشرة التي يتعرض فيها إبراهيم شريف للاعتقال أو الاستجواب أو المحاكمة منذ عام 2011، حين لعب دوراً بارزاً في الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح والديمقراطية.
وشريف هو الرئيس السابق لجمعية العمل الديمقراطي الوطني (وعد)، وأحد أبرز الوجوه اليسارية العلمانية في حركة المعارضة البحرينية، التي واجهت منذ أكثر من عقد حملة قمع واسعة النطاق.
وخلال السنوات الماضية، اكتسبت السجون البحرينية سمعة سيئة بسبب التقارير المتكررة عن التعذيب وسوء المعاملة، في ظل احتجاز آلاف الناشطين والمعارضين السياسيين.
وفي الشهر الماضي، رفعت منظمة حقوقية مقرها الولايات المتحدة ملفاً إلى إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أوصت فيه بفرض عقوبات على وزير الداخلية البحريني، الشيخ راشد بن عبد الله آل خليفة، لدوره المزعوم في الإشراف على التعذيب في السجون.
وذكرت منظمة “هيومن رايتس فيرست” أن الوزير يتحمل مسؤولية مباشرة عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان منذ عام 2011، رغم أن البحرين دولة موقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.
وفي مراجعتها الدورية الأخيرة، أعربت لجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب عن “قلق بالغ” إزاء التقارير المتسقة حول التعذيب وانعدام المساءلة، محذرة من مناخ إفلات من العقاب ترسخه السلطات.
ويأتي الحكم بحق شريف ليؤكد، وفق منظمات حقوقية، أن النظام البحريني لا يكتفي بقمع المعارضة الداخلية، بل بات يوسّع دائرة التجريم لتشمل المواقف السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، في انسجام واضح مع مسار التطبيع وحماية العلاقات مع إسرائيل، حتى لو كان الثمن إسكات الأصوات الوطنية وسجن رموز المعارضة.




