تصاعد القمع يكشف سقوط خطاب الحريات وترسيخ الحكم الأمني في البحرين

تشهد البحرين تصعيداً لافتاً في القمع يعكس تحول المشهد الداخلي إلى حالة أقرب للأحكام العرفية غير المعلنة، في ظل ترسيخ الحكم الأمني عبر حملة اعتقالات وملاحقات واسعة تطال ناشطين ومدونين ومواطنين، وسط أجواء ترهيب متزايدة تذكّر بمرحلة 2011 وما رافقها من انتهاكات جسيمة.
ودفعت التطورات الأخيرة جمعية الوفاق المعارضة إلى التحذير من غياب كامل لمفهوم دولة القانون والمؤسسات، مشيرة إلى أن الأجهزة الأمنية باتت تمسك بمفاصل المشهد الداخلي، مع إطلاق يدها في تنفيذ المداهمات والاستدعاءات، وملاحقة الأصوات الناقدة دون ضوابط قانونية واضحة.
وأظهرت الأيام الماضية ارتفاعاً متسارعاً في أعداد المعتقلين، بالتزامن مع إعلان وزارة الداخلية عن تفكيك ما تصفه بـ”خلايا تخابر”، في خطوة اعتبرها مراقبون مدخلاً لتوسيع الحملة الأمنية وتبرير إجراءات أكثر تشدداً، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مزيد من التصعيد.
وامتد ذلك إلى الفضاء الإعلامي، حيث برزت حملات تشهير منظمة عبر وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، شملت نشر صور المعتقلين والترويج لاتهامات بحقهم قبل استكمال الإجراءات القضائية، ما يعكس تراجعاً خطيراً في معايير العدالة والقرينة القانونية.
وبالتوازي، انتشرت عبر المنصات الإلكترونية موجات تخوين وتحريض ذات طابع طائفي، في ظل غياب أي تدخل رسمي لوقفها، الأمر الذي ساهم في تغذية حالة الانقسام المجتمعي وتعميق الاحتقان الداخلي، وسط اتهامات للسلطات بغض الطرف عن هذه الخطابات أو استخدامها كأداة ضغط إضافية.
وقد زادت هذه الأجواء توتراً مع توجه النيابة العامة إلى طلب تشديد العقوبات إلى أقصى حد، بما في ذلك المطالبة بتنفيذ أحكام الإعدام، وهو ما أثار مخاوف واسعة من عودة نهج العقوبات القصوى في ظل بيئة قضائية مشكوك في استقلاليتها، وفق تقديرات حقوقية.
وتعكس هذه التطورات تحولاً واضحاً في أسلوب إدارة الأزمة داخل البحرين، حيث تغيب لغة الحوار أو التهدئة لصالح مقاربة أمنية تعتمد على الردع والتخويف، ما يضعف الثقة بين السلطة والمجتمع، ويعيد إنتاج الأزمات بدلاً من احتوائها.
ويرى مراقبون أن النظام البحريني يكرر نمط التعامل ذاته في كل أزمة، عبر اللجوء إلى أدوات القمع بدل المعالجة السياسية، وهو ما يؤدي إلى تراكم الأزمات وتوسيع فجوة الثقة، خصوصاً مع استمرار تجاهل المطالب المتعلقة بالإصلاح السياسي واحترام الحريات.
في المقابل، يتراجع الخطاب الرسمي حول “التسامح” و”الإصلاح” أمام واقع ميداني يعكس عكس ذلك، حيث تتزايد القيود على حرية التعبير، وتتوسع دائرة الاستهداف لتشمل فئات مختلفة من المجتمع، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزامات المعلنة في هذا المجال.
وتؤشر عودة أجواء الترهيب إلى تدهور البيئة الحقوقية في البلاد، في ظل غياب آليات رقابة مستقلة أو ضمانات قانونية فعالة، الأمر الذي يضع المواطنين أمام واقع يتسم بعدم اليقين والخوف من الملاحقة.
وتكشف هذه المرحلة عن أزمة عميقة في بنية الحكم، حيث يتم التعامل مع التحديات الداخلية من منظور أمني بحت، دون إدراك لتداعيات ذلك على الاستقرار طويل الأمد، في وقت تشير فيه التجارب السابقة إلى أن الحلول الأمنية لا توفر معالجة مستدامة.
ومع استمرار هذا النهج، تبدو البحرين أمام مفترق طرق حاسم، بين الاستمرار في إدارة المجتمع عبر أدوات القمع، أو الانتقال إلى مسار سياسي يعالج جذور الأزمة، غير أن المؤشرات الحالية ترجّح استمرار المقاربة الأمنية، ما ينذر بمزيد من التوتر وعدم الاستقرار في المرحلة المقبلة.




