Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار

عدالة بالأرقام أم قمع مُغلَّف؟ خطاب النيابة البحرينية يكشف أزمة القضاء والحريات

جدّدَت السلطة في البحرين، وبأسلوبها المعهود، تصدير خطابٍ دعائي صاخب عن «الإنجاز» و«العدالة الناجزة»، وهذه المرة عبر مؤتمر صحفي عقده النائب العام علي بن فضل البوعينين للإعلان عن حصيلة عمل النيابة العامة خلال عام 2025.

العنوان العريض كان صادمًا في بساطته: نسبة إنجاز 99%. رقمٌ جرى تقديمه بوصفه إنجازًا مؤسسيًا استثنائيًا، ودليلًا على «إرادة جعلت من العدالة عنوانًا للأداء». غير أن ما يُراد له أن يبدو نجاحًا إداريًا باهرًا، يثير في جوهره أسئلة ثقيلة عن معنى العدالة في دولة تُمسك فيها السلطة التنفيذية بمفاصل القضاء.

تحدّث البوعينين عن «إنجازات تطويرية شاملة» و«نهج في الشفافية والتواصل وتعزيز الكفاءة القضائية»، وقدّم تقريرًا يشير إلى معالجة 59,922 قضية خلال عام واحد.

لكن، وقبل الغوص في تفاصيل الأرقام، لا بد من التذكير بحقيقة بديهية تتجاهلها السلطة عمدًا: الإنجاز الكمي لا يساوي عدالة نوعية. فالعدالة ليست سباقًا مع الزمن لإغلاق الملفات، بل منظومة قيم تحمي الحقوق الأساسية، وتكفل المحاكمة العادلة، وتضمن استقلال القضاء عن السياسة.

المفارقة الأشد فجاجة في خطاب النائب العام كانت ربط هذا «النجاح القضائي» بما أسماه «الدعم المتواصل من القيادة الحكيمة». هنا ينكشف جوهر الأزمة. فوفق المعايير الدولية لحقوق الإنسان، يُعدّ استقلال القضاء شرطًا لا يقبل المساومة.

وحين يُقدَّم الأداء القضائي باعتباره ثمرة دعم سياسي، لا كنتاج استقلال مؤسسي، فإن ذلك يُسقط مباشرة ادعاءات الحياد، ويُعيد إنتاج صورة القضاء كذراع من أذرع السلطة التنفيذية، لا كحارس للحقوق والحريات.

وتفتقر الأرقام التي استعرضها التقرير إلى أي قراءة نقدية لمضمون القضايا، ولا سيما تلك المرتبطة بالحريات العامة. لا حديث جدي عن حرية التعبير، أو الاعتقال التعسفي، أو التجمع السلمي، أو قضايا الرأي السياسي. هذا الصمت يعد انعكاسا لسياسة ممنهجة تُقصي الحريات من تعريف العدالة، وتختزلها في سرعة الإجراءات والانضباط الإداري.

الأكثر خطورة في مؤتمر البوعينين كان اعتباره أن الجرائم الإلكترونية تتصدّر القضايا الواردة بنحو عشرة آلاف قضية خلال عام واحد، مع حديث عن «تصاعد إساءة استخدام منصات التواصل الاجتماعي». هذا الرقم، الذي يُقدَّم رسميًا كمؤشر على يقظة النيابة، ينبغي أن يقرَع جرس الإنذار.

ففي البحرين، لم يعد الفضاء الرقمي مجرد ساحة ترفيه أو تواصل، بل تحوّل إلى آخر متنفس للتعبير السياسي والاجتماعي بعد إغلاق المجال العام. ومع ذلك، تتعامل السلطة معه بوصفه خطرًا أمنيًا، لا حقًا مدنيًا.

مصطلحات فضفاضة مثل «إساءة الاستخدام» و«المساس بالنظام العام» تُستخدم بمرونة خطيرة تسمح بتجريم الرأي السياسي، والنقد السلمي، وحتى التعليقات الساخرة أو التعبير عن القلق الاجتماعي.

وهنا لا يمكن فصل تضخم قضايا «الجرائم الإلكترونية» عن مناخ سياسي يُضيّق الخناق على الأصوات المستقلة والمعارضة، ويعيد رسم حدود المسموح والممنوع في العالم الافتراضي بما يخالف المعايير الدولية التي تعتبر حرية التعبير الرقمية امتدادًا طبيعيًا لحرية الرأي، لا استثناءً منها.

الأخطر من الأرقام نفسها هو غياب أي نقاش رسمي حول معايير التمييز بين الرأي والجريمة، بين النقد والتحريض، وبين التعبير السلمي والانتهاك الحقيقي للقانون.

فحين تُقاس «سلامة» الفضاء الرقمي بعدد الملفات المُحالة إلى القضاء، لا بمدى احترام حرية التعبير، فإن العدالة تنقلب من ضمانة للحقوق إلى أداة لإدارة المجال العام سياسيًا.

ويرى مراقبون أن تقرير النيابة البحرينية، رغم زخمه اللغوي وأرقامه اللامعة، يكشف عن فجوة عميقة بين الشكل والمضمون. فحين تتحول العدالة إلى شعار، وتُختزل في نسب مئوية، بينما تتراجع الحريات وتغيب المساءلة، يفقد النظام القضائي بوصلته الأخلاقية والقانونية. يصبح مجرد جهاز إداري لإدارة القمع، لا مؤسسة سيادة قانون.

وبحسب المراقبين فإن العدالة لا تُقاس بعدد القضايا المُنجزة، بل بمدى حماية الإنسان من تعسف السلطة. وما دام القضاء في البحرين يُقدَّم كجزء من منظومة الحكم لا كسلطة مستقلة، فإن كل حديث عن «عدالة ناجزة» ليس سوى لغة تبرير تُغطي أزمة أعمق: أزمة نظام يخشى الرأي، ويُحاكم الكلمة، ويحوّل القانون من درعٍ للحقوق إلى أداة إخضاع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

12 + 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى