Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
انتهاكات حقوق الإنسان

البحرين تحتفل بشعارات التعايش وتمنع صلاة الجمعة: مفارقة تكشف زيف الخطاب الرسمي

بينما يُحيي العالم في هذه الأيام اليوم الدولي للتعايش السلمي بوصفه مناسبة لتعزيز قيم التسامح والقبول المتبادل، تبدو البحرين نموذجًا صارخًا للمفارقة الفاضحة بين الخطاب الرسمي المصدَّر إلى الخارج، والواقع الداخلي القائم على الإقصاء والاضطهاد والاستبداد الأسود.

فالمناسبة التي أقرتها الأمم المتحدة بناءً على مبادرة بحرينية، تحولت عمليًا إلى مرآة تعكس عمق الأزمة الحقوقية والسياسية في البلاد، لا إلى منصة للاحتفال أو التباهي بإنجازات لا وجود لها إلا في البيانات الرسمية.

وفي الوقت الذي تُسوِّق فيه السلطة البحرينية نفسها دوليًا كراعٍ للتعايش والحوار بين الأديان، يعيش المواطنون واقعًا من القمع المنهجي، حيث تُفرغ هذه الشعارات من مضمونها عبر سياسات أمنية وقضائية تُضيّق على الحريات الدينية والسياسية، وتُحوِّل التعايش إلى مجرد لافتة دعائية تخفي خلفها واقعًا خانقًا.

وأحد أبرز الشواهد على هذا التناقض الفجّ يتمثل في منع إقامة أكبر صلاة جمعة للمواطنين الشيعة منذ أكثر من عام، في خطوة أعادت إلى الأذهان منعًا سابقًا استمر ست سنوات كاملة بين عامي 2016 و2022.

ويؤكد هذا القرار، الذي جاء على خلفية التضامن الشعبي مع غزة ولبنان ضد العدوان الإسرائيلي، أن السلطة لا تتعامل مع الشعائر الدينية بوصفها حقًا أصيلًا، بل كأداة سياسية للعقاب الجماعي وضبط المجال العام. فالمنع المتكرر لا يمكن فهمه إلا في سياق توظيف الدين لقمع المواقف السياسية والعقائدية المخالفة.

ولا يقف الأمر عند الحريات الدينية، بل يمتد إلى الملف السياسي الذي يشكّل أحد أكثر العناوين دلالة على زيف خطاب “التعايش”. فمنذ أكثر من خمسة عشر عامًا، لا يزال 12 شخصية سياسية وعلمائية بارزة خلف القضبان، بينهم الأمين العام لجمعية الوفاق الشيخ علي سلمان، إلى جانب رموز معارضة قادت الحراك السلمي عام 2011.

واستمرار اعتقال هؤلاء، رغم المطالبات الحقوقية والدولية بالإفراج عنهم، يعكس سياسة انتقامية ممنهجة ضد كل من طالب بإصلاح ديمقراطي حقيقي، ويحوّل الحديث عن الوئام الوطني إلى محض أكذوبة.

كما تواصل السلطة استخدام سلاح إسقاط الجنسية كأداة للتنكيل وتصفية الحسابات السياسية، حيث يواجه العشرات من المواطنين، بينهم مرجعيات دينية وعلماء كبار مثل آية الله الشيخ عيسى أحمد قاسم، وآية الله الشيخ حسين النجاتي، وآية الله الشيخ محمد سند، تداعيات هذا الإجراء التعسفي.

ويطال هذا النهج مكوّنًا دينيًا واسعًا، ويُفرغ مفهوم المواطنة من معناه، عبر تحويل الجنسية من حق قانوني إلى امتياز مشروط بالولاء السياسي.

وفي موازاة ذلك، أجهزت السلطة على العمل السياسي المنظم عبر حلّ وإغلاق كبرى الجمعيات المعارضة، مثل “الوفاق” و“وعد” و“أمل”، بالتزامن مع سنّ ما يُعرف بـ“قوانين العزل السياسي”، التي أقصت شريحة واسعة من المواطنين عن المشاركة في الحياة العامة.

وقد ترافق ذلك مع تسخير المنظومة القضائية كأداة للترهيب وملاحقة الرأي الحر، ما جعل الساحة السياسية نموذجًا للإقصاء والتهميش بدل التعددية والتعايش.

وتكشف هذه السياسات مجتمعة أن ما يجري في البحرين ليس مجرد تجاوزات معزولة، بل نهجًا ممنهجًا يقوم على إحكام القبضة الأمنية، وتفريغ الفضاء العام من أي صوت مستقل، مع الإبقاء على واجهة دبلوماسية ناعمة تُستخدم في المحافل الدولية لتلميع الصورة.

فالمبادرات التي تُطرح في الأمم المتحدة لا تعكس واقع الشارع البحريني، بل تُستخدم لتزييفه والتغطية على أزمة بنيوية عميقة في العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وإن اليوم الدولي للتعايش السلمي، بدل أن يكون مناسبة للاحتفال في البحرين، يتحول إلى محطة إدانة سياسية وأخلاقية. فهو يفضح الهوة السحيقة بين الخطاب والممارسة، وبين ما يُقال في المنابر الدولية وما يُفرض على الأرض من قيود وسجون ومنع للشعائر وقوانين إقصائية.

فالتعايش لا يُبنى عبر المؤتمرات والبيانات، بل عبر احترام الحقوق، وضمان الحريات، وفتح المجال السياسي، والاعتراف بالتعددية بوصفها مصدر قوة لا تهديدًا.

وفي ظل استمرار هذه السياسات، تبقى السجون، والمنابر المحاصرة، والمواطنة المنزوعة، هي الشواهد الحقيقية على واقع البحرين، لا الجوائز الأممية ولا الشعارات الرنانة.

وعليه، فإن هذه المناسبة السنوية تمثل فرصة للمجتمع الدولي كي يتجاوز الخطاب الدبلوماسي المجامل، ويواجه الحقيقة كما هي: تعايش مُصادَر، وحريات مُعطَّلة، واستبداد يُسوَّق بواجهة ناعمة.

ويؤكد مراقبون أن الاحتفال الحقيقي بالتعايش يبدأ عندما تُرفع القبضة الأمنية عن المجتمع، ويُفرج عن المعتقلين السياسيين، وتُعاد الحقوق المسلوبة، وتُكفّ سياسات العقاب الجماعي.

أما دون ذلك، فسيظل “اليوم الدولي للتعايش السلمي” في البحرين شاهدًا على التناقض، ودليلًا إضافيًا على أن ما يُراد له أن يكون إنجازًا، لم يعد سوى مناسبة لإدانة السلطة لا لتلميع صورتها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 14 =

زر الذهاب إلى الأعلى