Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فساد

رفع أسعار الوقود والضرائب لتمويل العجز وصناديق العائلة الحاكمة في البحرين

تحت عناوين رسمية مثل “التوازن المالي” و“الإصلاح الاقتصادي”، تمضي الحكومة في البحرين منذ سنوات في تطبيق سياسات مالية أثقلت كاهل المجتمع وقلّصت قدرته على الاعتراض والمساءلة وذلك لتمويل العجز وصناديق العائلة الحاكمة.

وتنفذ هذه السياسات من خلال مسار تراكمي بطيء، يقوم على رفع أسعار الوقود، وفرض الضرائب والرسوم، وتوسيع الاقتراض العام، مقابل تآكل الدخل الحقيقي للمواطنين وانسداد قنوات الرقابة السياسية والشعبية.

والنتيجة المباشرة لهذا النهج هي نقل عبء الأزمة المالية من الدولة إلى المجتمع. فعلى الرغم من إعلان أرقام رسمية تُظهر استقرار التضخم عند مستويات تقل عن 2% خلال عامي 2024–2025، فإن هذا المؤشر لا يعكس الواقع المعيشي.

وقد ارتفعت أسعار الوقود والسلع الأساسية بوتيرة تفوق نمو الدخل، فيما بقيت الأجور شبه مجمّدة. متوسط الدخل الشهري الذي يقل فعليًا عن 500 دينار بحريني لم يعد كافيًا لتغطية تكاليف المعيشة الأساسية، ما وضع شريحة واسعة من المواطنين تحت ضغط مالي دائم.

في الوقت نفسه، يواصل الدين العام مساره التصاعدي. فقد تجاوز الدين الحكومي 126% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024، مع توقعات بارتفاعه خلال السنوات المقبلة. هذا الرقم لا يعكس فقط حجم الاقتراض، بل يكشف أيضًا عن كلفة خدمته.

فإصدارات الدين الدولية بعوائد تتراوح بين 5.875% و6.625% في 2025 تعني أن الدولة تدفع قرابة مليار دينار سنويًا فوائد، وهي أموال تُستنزف من الميزانية دون أن تنعكس خدمات أو استثمارات تنموية حقيقية على المجتمع.

ورغم هذا العبء الهائل، تواصل الحكومة رفع الأسعار وفرض الضرائب لتغطية عجز مالي تجاوز 20 مليار دينار، دون معالجة أسباب الهدر والإسراف في الاقتراض. الأخطر أن هذه السياسات تُمرَّر في ظل غياب رقابة فعالة.

فمجلس النواب يوافق على قرارات الاقتراض المتتالية، رغم المعرفة المسبقة بأن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال لا يدخل صندوق الدولة العام، بل يُدار عبر صناديق خاصة مرتبطة بالعائلة الحاكمة، خارج أي إطار شفاف أو خاضع للمحاسبة.

هذا المسار المالي لم يكن منفصلًا عن سياق سياسي أوسع. فقد عملت الحكومة بشكل منهجي على شل قدرة المجتمع على التنظيم والضغط.

فاعتقال قيادات سياسية بارزة مثل الشيخ علي سلمان، حسن مشيمع، عبد الوهاب حسين، وإبراهيم شريف، كان خطوة محسوبة لإفراغ الساحة من الأصوات القادرة على قيادة فعل جماعي منظم. وبإقصاء هذه القيادات، جرى تفكيك البنية السياسية التي كانت قادرة على تحويل التذمر الاجتماعي إلى ضغط سياسي فعلي.

وإلى جانب الاعتقالات، شُنت حملات ممنهجة لشيطنة خطاب المعارضة وتجريده من أي مشروعية وطنية. جرى تصوير أي اعتراض على السياسات الحكومية بوصفه تهديدًا للاستقرار أو خروجًا على “طاعة ولي الأمر”.

ومع مرور الوقت، تحولت الطاعة المطلقة إلى معيار سياسي وأخلاقي، فيما جرى تجفيف مساحة النقد العقلاني والتشكيك المشروع في القرارات الاقتصادية.

هذا التلازم بين القمع السياسي والسياسات المالية القاسية أنتج حالة شلل اجتماعي واسعة. المجتمع يرى نتائج القرارات الحكومية على معيشته اليومية، لكنه يفتقر إلى الأدوات السياسية التي تمكّنه من الاعتراض أو التأثير.

ومع غياب الاحتجاج المنظم، شعرت الحكومة بحرية شبه مطلقة في فرض ما تشاء من رسوم وضرائب وقرارات، دون خشية من رد فعل شعبي فعّال.

في هذا السياق، لم تعد السياسات الاقتصادية مجرد إجراءات مالية، بل تحولت إلى أدوات لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فبدل أن تكون الدولة مسؤولة عن حماية المستوى المعيشي وضمان العدالة في توزيع الأعباء، بات المواطن هو الطرف الذي يُطلب منه الدفع باستمرار، بينما تبقى مراكز القرار والإنفاق الفعلي بعيدة عن أي مساءلة.

النتيجة النهائية هي مجتمع مُنهك اقتصاديًا، ومُقيّد سياسيًا، ومُبعد عن التأثير في مسار القرار. تُفرض عليه الضرائب، تُرفع عليه الأسعار، ويُطلب منه التكيّف الدائم، فيما تُدار الموارد والديون في دوائر مغلقة. هذا الواقع لا يهدد فقط الاستقرار الاجتماعي، بل يقوّض أسس الثقة بين الدولة والمجتمع.

ورغم هذا المشهد القاتم، فإن إعادة بناء الوعي السياسي والفعل الجماعي تظل ممكنة. فاستعادة القدرة على الربط بين السياسات الاقتصادية والخيارات السياسية، وكسر حالة الصمت المفروض، يمثلان الشرط الأساسي لأي مسار إصلاحي حقيقي. دون ذلك، ستبقى سياسات رفع الأسعار والضرائب أداة دائمة لتمويل العجز، فيما يدفع المجتمع الثمن وحده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان + ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى