Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
فساد

البحرين تحت سياسة الجباية: كيف يدفع المواطن ثمن فشل النموذج الاقتصادي؟

في لحظة اقتصادية شديدة الحساسية، اختارت الحكومة البحرينية أن تواجه أزمتها المالية بأسهل الخيارات وأكثرها كلفة اجتماعيًا بتصعيد سياسة الجباية عبر تحميل المواطنين العبء المباشر عبر زيادات سعرية ورسوم جديدة طالت الوقود والكهرباء والخدمات الأساسية.

وشكل القرار، الذي جرى تغليفه بخطاب «الاستدامة المالية» و«التكيّف مع الأسواق العالمية»، حلقة جديدة في مسار سياسي–اقتصادي يعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع على أساس الجباية بدل الحماية.

وبحسب مراقبين فإن هذه السياسات لا تعكس إصلاحًا حقيقيًا بقدر ما تكشف عن إفلاس في أدوات إدارة الأزمة. فبدل معالجة جذور الاختلال المالي، تلجأ السلطة إلى ما يشبه «الضرائب المقنّعة»، حيث تُرفع الأسعار تدريجيًا لتقليص ردود الفعل الشعبية، في وقت تُغلق فيه قنوات المشاركة والرقابة، ويُطلب من المواطن الصمت والتكيّف.

وشكلت الزيادة الحادة في أسعار الوقود، التي بلغت في بعض الأصناف نحو 57%، صدمة اقتصادية كاملة الأركان كونها أطلقت موجة تضخم كلفة الإنتاج، إذ تنتقل مباشرة إلى النقل، ثم إلى أسعار الغذاء والخدمات، لتضرب في العمق القدرة الشرائية للأسر، خصوصًا ذات الدخل المحدود والمتوسط.

والخطر لا يكمن فقط في الزيادة المباشرة على فاتورة الوقود، بل في الأثر التراكمي غير المرئي. فكل سلعة تُنقل، وكل خدمة تعتمد على الطاقة، باتت مرشحة للارتفاع. وهكذا يتحول التضخم إلى واقع يومي، لا تعكسه الأرقام الرسمية بدقة، لكنه يُستشعر في سلة التسوق وفي نهاية كل شهر.

وقد تزامن رفع أسعار الوقود مع مضاعفة تعرفة الكهرباء للشريحة الثالثة بنسبة 100%، في خطوة تعكس استهدافًا مباشرًا للطبقة الوسطى، التي لا تحظى بدعم كافٍ ولا تمتلك في الوقت نفسه أدوات التحايل أو النفوذ.

فهذه الشريحة، التي تشكل تاريخيًا صمام الأمان الاجتماعي، تُدفع اليوم نحو التآكل التدريجي، مع تزايد الالتزامات وثبات الأجور.

ولم تكن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بمنأى عن هذا الضغط، إذ أُجبرت على تمرير التكاليف إلى المستهلك، ما يعني تضخمًا ثانيًا أوسع نطاقًا. وبدل أن تكون هذه المؤسسات رافعة للتشغيل والنمو، تتحول إلى ضحية جانبية لسياسات قصيرة النظر.

وفي محاولة لاحتواء الغضب، أعلنت الحكومة رفع علاوة الغلاء بدءًا من يناير 2026. الزيادة، التي راوحت بين 20% و30% لبعض الشرائح، قُدّمت باعتبارها تعزيزًا لشبكة الأمان الاجتماعي. لكن القراءة الواقعية تكشف أنها خطوة تجميلية أكثر منها حلًا فعليًا.

فالمبالغ المضافة، التي لم تتجاوز عشرين دينارًا في معظم الحالات، تتآكل سريعًا أمام زيادات يُقدّر اقتصاديون أثرها الشهري على الأسرة المتوسطة بما لا يقل عن 100 دينار. وهكذا تتحول العلاوة إلى أداة امتصاص غضب مؤقت، لا إلى سياسة حماية مستدامة.

الأخطر أن هذه العلاوة لا تغطي شريحة واسعة من ذوي الدخل المتوسط الأدنى، الذين يقعون في المنطقة الرمادية: غير مشمولين بالدعم الأقصى، ومثقلين في الوقت نفسه بالإيجارات والقروض وتكاليف التعليم.

ولا تقتصر آثار هذه السياسات على الأرقام والمؤشرات، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي. فالمواطن البحريني يعيش اليوم حالة من «الغضب الصامت»، حيث تتراكم الصدمات دون مساحة للتعبير أو التأثير. هذا الصمت لا يعني الرضا، بل يعكس اختلال ميزان القوة وغياب الثقة في جدوى الاعتراض.

وعندما يشعر البحرينيون أن الإصلاح يعني دائمًا دفعهم الثمن، وأن الأخطاء الهيكلية تُموَّل من جيوبهم، تتآكل شرعية الخطاب الرسمي، ويتحوّل الاستقرار إلى حالة هشة قائمة على التكيّف القسري لا الرضا.

والسؤال المركزي لم يعد متعلقًا بكيفية تحقيق الاستدامة المالية، بل بمن يتحمل كلفتها. فالنظام الاقتصادي البحريني، كما يظهر اليوم، يفتقر إلى العدالة التوزيعية، ويعتمد على تحميل الأعباء للفئات الأضعف بدل مساءلة مراكز القوة الاقتصادية أو إعادة النظر في أولويات الإنفاق.

ويؤكد المراقبون أن الاستمرار في هذا المسار لا يعني فقط تعميق الفجوة الاجتماعية، بل يضع البلاد أمام مخاطر طويلة الأمد: ركود تضخمي، تآكل الطبقة الوسطى، وأزمة ثقة مزمنة بين الدولة والمجتمع. فالإصلاح الاقتصادي، حين يُفصل عن العدالة والحقوق، يتحول من ضرورة وطنية إلى عبء سياسي، ويزرع بذور عدم الاستقرار بدل معالجته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة عشر − 12 =

زر الذهاب إلى الأعلى