الموقف الشعبي في البحرين يتمسك برفض التطبيع رغم اندفاع السلطة

كشف ظهور سفير الاحتلال الإسرائيلي في البحرين خلال فعاليات “مهرجان ليالي المحرق” حجم الهوة المتسعة بين الموقف الشعبي البحريني وخيارات السلطة السياسية، وأعاد إلى الواجهة حقيقة باتت ثابتة: التطبيع في البحرين قرار فوقي لا يحظى بقبول اجتماعي، ويصطدم برفض واسع يتجدد كلما حاولت السلطة إدماج العلاقة مع الاحتلال في الفضاء العام.
إذ أن رد الفعل الغاضب الذي قاده نواب محافظة المحرق شكل تعبيرًا مباشرًا عن مزاج شعبي رافض، وعن إحراج سياسي متكرر للنظام الخليفي الذي يواصل المضي في مسار التطبيع رغم كلفته الداخلية.
وقد جاء البيان الصادر عن نواب المحرق بلغة غير مألوفة في السياق الرسمي البحريني، ووضع زيارة السفير الإسرائيلي في خانة “الاستفزاز المتعمد”.
ولم يكتفِ النواب بإعلان الرفض، بل وصفوا الزيارة بأنها “تدنيس” لمدينة ذات رمزية تاريخية وسياسية، وبأنها إهانة لمشاعر الأهالي الذين ارتبط اسم مدينتهم، لعقود، بالمواقف الداعمة للقضية الفلسطينية.
ويعكس هذا الخطاب إدراكًا برلمانيًا لحساسية الشارع، ويشير في الوقت نفسه إلى أن محاولات تطبيع العلاقة مع الاحتلال لم تنجح في كسر القطيعة الشعبية، ولا في إعادة تعريف إسرائيل كـ”دولة طبيعية” في الوعي العام.
وأهمية هذا الموقف لا تكمن فقط في حدته، بل في توقيته وسياقه. فالزيارة جاءت في ظل حرب إبادة متواصلة على قطاع غزة، واعتداءات يومية في الضفة الغربية، ما يجعل أي حضور رسمي إسرائيلي في الفضاء العام العربي، خصوصًا في مدينة مثل المحرق، استفزازًا مضاعفًا.
وقد ربط النواب بشكل مباشر بين السفير الإسرائيلي وجرائم الاحتلال، رافضين الفصل بين الدبلوماسية والسياسة العدوانية. هذا الربط يعكس سردية شعبية راسخة ترى في التطبيع تبييضًا للجرائم لا مسارًا للسلام.
في المقابل، يواصل النظام الخليفي تسويق التطبيع بوصفه خيارًا سياديًا يخدم “السلام والاستقرار”، كما تكرر في البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الخارجية.
واستقبال أوراق اعتماد السفير الإسرائيلي الجديد في آب/أغسطس الماضي، والتأكيد الرسمي على “مواصلة الجهود الداعمة لمساعي السلام”، يعكسان إصرارًا على الالتزام باتفاقيات أبراهام، مهما كانت الاعتراضات الداخلية. هذا الإصرار يكشف أن السلطة لا تتعامل مع الرفض الشعبي بوصفه عنصرًا مؤثرًا في صناعة القرار، بل كعائق يمكن تجاهله أو احتواؤه مؤقتًا.
ومحاولة المنامة في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 سحب سفيرها من تل أبيب، بالتزامن مع مغادرة السفير الإسرائيلي، لم تكن انقلابًا على مسار التطبيع، بل خطوة تكتيكية لامتصاص الغضب الشعبي في ذروة العدوان على غزة.
إذ سرعان ما تراجع هذا الإجراء عمليًا مع عودة السفير الإسرائيلي، وهو ما قرأته وسائل إعلام إسرائيلية، مثل “آي 24”، باعتباره انتقالًا إلى “مرحلة جديدة” من العلاقات. هذه القراءة الإسرائيلية تكشف فجوة أخرى: ما يُسوَّق داخليًا كدعم للقضية الفلسطينية، يُفهم خارجيًا كإدارة مؤقتة للأزمة دون المساس بجوهر العلاقة.
والتناقض بين خطاب السلطة وخطاب الشارع لا يقتصر على مناسبة واحدة. منذ توقيع اتفاق التطبيع في أيلول/سبتمبر 2020، ظل الرفض الشعبي حاضرًا في البحرين، سواء عبر بيانات سياسية، أو تحركات شعبية، أو مواقف دينية واجتماعية.
وبحسب مراقبين فإن ما تغيّر هو أن السلطة باتت أكثر جرأة في إدخال التطبيع إلى المجال العام، من الفعاليات الثقافية إلى اللقاءات العلنية، في محاولة لفرض الأمر الواقع وتطبيع التطبيع نفسه.
غير أن واقعة المحرق أظهرت حدود هذه المحاولة. اختيار مدينة ذات ثقل رمزي لم يكن موفقًا، ورد الفعل البرلماني أكد أن الذاكرة السياسية والاجتماعية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
وتحولت المحرق، التي تُقدَّم رسميًا كواجهة للتراث والهوية، إلى ساحة مواجهة رمزية بين إرادة شعبية ترى في التطبيع خيانة، وسلطة تسعى إلى إعادة تعريف الهوية السياسية بما ينسجم مع تحالفاتها الإقليمية.
في المحصلة، لا يبدو أن النظام الخليفي نجح، بعد أكثر من أربع سنوات على توقيع اتفاقيات أبراهام، في كسب الشرعية الشعبية لخيار التطبيع. كل خطوة علنية باتجاه إسرائيل تعيد إنتاج الرفض، وتكشف أن العلاقة تفتقر إلى أي قاعدة اجتماعية.
واستمرار هذا النهج يعني تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتحويل التطبيع من سياسة خارجية إلى عامل توتر داخلي دائم. وفي ظل استمرار الجرائم الإسرائيلية، يبقى الرهان الرسمي على “السلام” خطابًا معزولًا، فيما يتمسك الشارع البحريني بموقفه الواضح: لا تطبيع مع الاحتلال، مهما كانت الضغوط أو المحاولات.




