Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
أخبار

حرب الروايات تكشف أزمة البحرين: إعلام رسمي منفصل عن المجتمع

تكشف الحرب المتصاعدة في الشرق الأوسط عن أزمة عميقة داخل البحرين تتجاوز البعد العسكري، لتظهر فجوة متزايدة بين الرواية الإعلامية الرسمية وصوت المجتمع الذي يجد نفسه مرة أخرى خارج معادلة القرار.

وتترافق الصواريخ التي تعبر سماء المنطقة منذ اندلاع المواجهة بين المحور الأمريكي-الإسرائيلي وإيران مع معركة أخرى لا تقل ضراوة: معركة السيطرة على الرواية الإعلامية.

وفي البحرين تحديداً، يظهر هذا الصراع امتداداً لنهج طويل في إدارة الأزمات يعتمد على خطاب رسمي موحد يقابله تشكيك متزايد داخل المجتمع.

وتعكس التغطية الإعلامية الرسمية للحرب نمطاً مألوفاً في البحرين. فمنذ عقود، يفضل الإعلام الحكومي تقديم الأحداث عبر زاوية أمنية ضيقة تركز على مفردات الخطر والتهديد الخارجي، بينما يتم تهميش الأسئلة السياسية والاجتماعية التي تشغل الرأي العام.

ولم يتغير هذا الأسلوب كثيراً منذ انتفاضة التسعينات مروراً بأحداث عام 2011 وحتى اليوم. ففي كل أزمة تقريباً، تتصدر الخطاب الإعلامي عناوين تتحدث عن “المؤامرات الخارجية” و”الدفاع عن الاستقرار”، بينما يتم تجاهل الخلفيات السياسية للأزمات الداخلية.

وتعود هذه المقاربة بقوة مع الحرب الحالية. فبدلاً من فتح نقاش أوسع حول انعكاسات الصراع الإقليمي على المجتمع البحريني، يكتفي الإعلام الرسمي بتكرار خطاب الاصطفاف السياسي وتأكيد ضرورة الوقوف مع الحلفاء في مواجهة ما يوصف بالخطر الإيراني.

ولا يقتصر دور الإعلام الرسمي في أوقات الحروب على نقل الأخبار فحسب، بل يشمل أيضاً إدارة الحالة النفسية للمجتمع ومنع انتشار الذعر. غير أن هذا الدور يتحول في كثير من الأحيان إلى أداة لترسيخ رواية سياسية محددة تهيمن على الفضاء الإعلامي بالكامل.

ويكشف تحليل العناوين والتقارير الإخبارية في الأيام الأولى من الحرب عن نمط لغوي متكرر يعكس التوجه السياسي للخطاب الرسمي.

فقد تم استخدام مصطلحات مثل “الاعتداء الإيراني” و”الدفاع المشروع” و”الردع الناجح”، وهي تعبيرات لا تكتفي بوصف الحدث بل تعيد تأطيره ضمن سردية أمنية واضحة.

ويعرف هذا الأسلوب في دراسات الإعلام بمفهوم “التأطير الإعلامي”، حيث يتم توجيه فهم الجمهور للأحداث عبر اختيار مفردات محددة تمنح الرواية الرسمية أفضلية في تفسير الوقائع.

لكن هذه الرواية لا تمر دائماً دون اعتراض. ففي الفضاء الرقمي البحريني يظهر خطاب مختلف يعكس قدراً أكبر من الشكوك تجاه التحالفات الإقليمية التي تنخرط فيها الدولة.

وتتجلى هذه الفجوة بوضوح بين الإعلام الرسمي والمنصات الرقمية، حيث يعبر كثير من الشباب عن قلقهم من انخراط البحرين في صراعات إقليمية لا يملكون تأثيراً في قراراتها.

ولا يعد هذا التباين وليد اللحظة، بل يعكس تراكم سنوات من إدارة المجال العام عبر خطاب سياسي وإعلامي موحد يربط غالباً أي صوت ناقد بتأثيرات خارجية.

ويتجاوز الأمر هنا مجرد اختلاف في الرأي ليصل إلى أزمة ثقة حقيقية بين الإعلام الرسمي والجمهور. فكلما ابتعد الخطاب الرسمي عن تجارب الناس اليومية، ازداد اعتماد المواطنين على مصادر بديلة للحصول على المعلومات.

وفي عصر الإعلام الرقمي لم يعد احتكار الرواية ممكناً كما كان في السابق. فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة أساسية لتشكيل ما يمكن وصفه بـ”الرواية المضادة” التي تتحدى الخطاب الحكومي.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في البحرين، حيث يشكل الشباب غالبية مستخدمي الفضاء الرقمي ويستخدمون هذه المنصات للتعبير عن مواقفهم من القضايا الإقليمية.

ويتضح هذا التباين أيضاً عند النظر إلى محطات سياسية سابقة، مثل اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل. ففي حين قدم الإعلام الرسمي تلك الخطوة باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً كبيراً، ظهرت في المقابل موجة واسعة من الانتقادات والرفض في الفضاء العام غير الرسمي.

ويعكس هذا التناقض صراعاً واضحاً بين روايتين: رواية رسمية تحتفي بالقرارات السياسية وتروج لها، ورواية شعبية تنظر إلى تلك القرارات من زاوية الهوية والمصالح الوطنية.

وتتكرر هذه الظاهرة اليوم مع الحرب الإقليمية. فبينما يضع الخطاب الرسمي البحرين في معسكر سياسي واضح إلى جانب حلفائها، يرى جزء من المجتمع أن البلاد تنخرط في صراع محاور قد يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الداخلي.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا التباين قد يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين الدولة والمجتمع. فالإعلام الذي يتجاهل التعددية في الآراء يخاطر بفقدان مصداقيته على المدى الطويل.

وتمتد المشكلة في البحرين إلى الطريقة التي يتم بها التعامل مع الأصوات الناقدة. فبدلاً من فتح مساحة للنقاش العام، غالباً ما يتم التعامل مع الانتقادات باعتبارها تهديداً للوحدة الوطنية.

ويؤدي هذا النهج إلى نتيجة عكسية. فكلما تم تضييق المجال العام، ازداد حضور النقاشات خارج المؤسسات الرسمية، حيث يصعب السيطرة على تدفق المعلومات والآراء.

وتكشف الحرب الحالية بذلك عن أزمة أعمق في العلاقة بين السلطة والمجتمع في البحرين. فالمشكلة لا تكمن فقط في وجود روايات متنافسة، بل في غياب المساحة التي تسمح بظهور تعددية حقيقية في النقاش العام.

وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الإعلام العالمي، يبدو أن استمرار الاعتماد على الخطاب الأحادي لن يكون كافياً لإقناع مجتمع أصبح أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر قدرة على الوصول إلى مصادر متنوعة للمعلومات.

وتشير هذه المعادلة إلى أن التحدي الحقيقي أمام البحرين لا يتعلق بإدارة الحرب الإعلامية فقط، بل بإعادة بناء الثقة بين الإعلام الرسمي والجمهور.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

7 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى