Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مؤامرات وتحالفات

الأمن المستورد بدل الحلول السياسية: البحرين تكرس نهج العسكرة مع الدول الغربية

أعلنت السلطات في البحرين مؤخرا عن توقيع اتفاقية تعاون مشترك في مجال الدفاع مع فرنسا، في خطوة جديدة تعكس بوضوح استمرار رهان الدولة على الأمن المستورد والتحالفات العسكرية، بدل معالجة جذور الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد منذ أكثر من عقد.

ويرى مراقبون أن الاتفاقية البحرينية الفرنسية لا تمثل تحولًا استثنائيًا في السياسة البحرينية، بل تأتي ضمن مسار ثابت يقوم على تعميق الارتباط الأمني بالخارج، مقابل تعطيل أي مسار إصلاحي داخلي حقيقي.

وقد قدم الخطاب الرسمي البحريني الاتفاقية بوصفها إجراءً وقائيًا لحماية الاستقرار الوطني في ظل أوضاع إقليمية متوترة. غير أن هذا التبرير يعيد إنتاج معادلة قديمة ثبت فشلها: الاستقرار لا يُشترى بالسلاح، ولا يُبنى بتوقيع الاتفاقيات الدفاعية، ولا يتحقق بتبادل الخبرات العسكرية.

فالاستقرار يُقاس بمتانة السلم الأهلي، وبثقة المواطنين في الدولة، وبقدرتها على إدارة الخلاف السياسي بوسائل سلمية وديمقراطية. من هذه الزاوية، تكشف الاتفاقية مع فرنسا استمرار اختزال الأمن في بعده العسكري، وتجاهل حقيقة أن التهديد الأكبر في البحرين ليس خارجيًا، بل نابع من انسداد سياسي داخلي مزمن.

ويروج النظام الخليفي أن الخيار العسكري لا يُستخدم إلا “كآخر الحلول”، لكن الوقائع خلال السنوات الماضية تُظهر العكس، حيث في البحرين، كانت الأدوات الأمنية هي الخيار الأول، لا الأخير.

فقد قُمِعت السلطات البحرينية الاحتجاجات وأُغلقت المجال العام، وجرى تجريم المعارضة، وحُلّت الجمعيات السياسية، وسُحبت الجنسيات، وامتلأت السجون بالمعتقلين السياسيين، من دون أن يُفتح مسار سياسي جاد أو حوار وطني شامل.

في هذا السياق، يتحول حديث “آخر الحلول” إلى عبارة إنشائية تُستخدم للاستهلاك الخطابي، بينما تُدار السياسة الفعلية بعقلية أمنية صلبة.

الأكثر دلالة أن الاتفاقيات الدفاعية تُبرم باسم “الأمن الوطني” بعيدًا عن أي نقاش عام أو رقابة برلمانية حقيقية. المواطن البحريني الذي يُطالَب بتحمّل أعباء اقتصادية متزايدة، من رفع الدعم إلى سياسات التقشف، لا يُمنح الحق في معرفة تفاصيل التزامات سيادية طويلة الأمد، قد تترتب عليها أكلاف مالية وأمنية وسياسية كبيرة.

وتُدار هذه الملفات خلف الأبواب المغلقة، ويُطلب من المجتمع القبول بالأمر الواقع. هنا تصبح السيادة مفهومًا انتقائيًا: سيادة تُستدعى لإسكات النقد، وتُهمَل حين يتعلق الأمر باتفاقيات مصيرية مع قوى خارجية.

وتحمل الاتفاقية مع فرنسا كذلك بُعدًا إقليميًا لا يمكن تجاهله. ففي لحظة تتصاعد فيها التوترات الدولية والإقليمية، تواصل البحرين تثبيت موقعها ضمن محاور أمنية أكبر منها، بهوامش قرار محدودة.

وبدل تبنّي سياسة خارجية متوازنة تُجنّب البلاد الانخراط في صراعات لا طاقة لها بها، تُعمّق المنامة ارتهانها لمنطق التحالفات العسكرية، وتُراكم التزامات قد تُستخدم في لحظات التصعيد، من دون تفويض شعبي أو نقاش وطني.

ويشدد المراقبون على أن هذا النهج لا يعالج أزمات الداخل، بل يؤجلها. لا تحل الاتفاقية أزمات التمثيل السياسي، ولا تعيد فتح المجال العام، ولا تُنهي الاستقطاب، ولا تبني الثقة بين الدولة وقطاعات واسعة من المجتمع.

على العكس، تعزّز رسالة واضحة مفادها أن السلطة ما زالت ترى في الأمن أولوية منفصلة عن السياسة، وفي القوة بديلًا عن التوافق، وفي الخارج سندًا يغني عن المصالحة الداخلية.

وعليه فغن المشكلة، إذًا، ليست في التعاون الدفاعي بحد ذاته، ولا في العلاقة مع دولة بعينها، بل إن المشكلة في سياسة كاملة تُدار منذ سنوات، وتقوم على ترحيل الأزمة بدل حلّها، وعلى معالجة الأعراض الأمنية بدل جذور المرض السياسي.

فكل اتفاقية دفاعية جديدة تُوقَّع من دون إصلاح داخلي حقيقي، تُعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتؤكد أن الخيار الأمني ما زال يتقدّم على أي رؤية سياسية جامعة.

ويشدد المراقبون على أن الأمن الحقيقي في البحرين لن تصنعه باريس، ولن تضمنه اتفاقيات الدفاع، ولن يحققه مزيد من العسكرة، بل إن الأمن يبدأ حين تعترف الدولة بأن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، ولا يُدار بالتحالفات العسكرية، ولا يُستورد من الخارج بل عبر احترام الحقوق وإعادة بناء العقد الاجتماعي على أساس المشاركة والمساءلة فيما ما دون ذلك، ستظل الاتفاقيات الدفاعية مجرد مسكنات، تؤجل الانفجار بدل أن تمنعه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إحدى عشر + 7 =

زر الذهاب إلى الأعلى