قضية تجسس البحرين أمام القضاء البريطاني: اختبار لحصانة الدول في زمن القمع الرقمي

تقف البحرين اليوم أمام اختبار قانوني غير مسبوق في المحكمة العليا بالمملكة المتحدة، في قضية قد تعيد رسم حدود «حصانة الدولة» في عصر برامج التجسس العابرة للحدود.
وتتهم الدعوى، التي رفعها معارضان بحرينيان يقيمان في بريطانيا منذ عام 2006، السلطات البحرينية بالوقوف خلف عملية تجسس رقمية تعود لأكثر من عقد، استخدمت فيها برمجية المراقبة التجارية «FinSpy» لاختراق أجهزتهما داخل الأراضي البريطانية، ومراقبة اتصالاتهما وأنشطتهما الخاصة.
وتتعلق القضية بسؤال سياسي وقانوني ثقيل: هل يمكن لدولة أن تمارس القمع الرقمي ضد معارضيها في الخارج، ثم تحتمي بحصانة الدولة للإفلات من المحاسبة؟ الحكم المرتقب قد يضع سابقة تحدد ما إذا كانت السيادة الوطنية تُستخدم درعًا لحماية انتهاكات رقمية تمس حقوق الأفراد داخل دول أخرى.
وبحسب ملف الدعوى، مكّنت برمجية «FinSpy» مشغّليها من الوصول الكامل إلى ملفات المدّعين، والتنصت على مكالماتهم، وتشغيل الميكروفونات والكاميرات للمراقبة الحية.
وبعد اكتشاف الاختراق، تحدث المدّعيان عن أضرار نفسية طويلة الأمد، في ظل شعور دائم بالملاحقة وانعدام الأمان، ويسعيان للحصول على تعويضات عن الأضرار الشخصية التي لحقت بهما.
وتأتي هذه القضية ضمن سياق أوسع من استخدام حكومات خليجية استبدادية لبرامج تجسس تجارية لاستهداف المعارضين والمدافعين عن حقوق الإنسان في الخارج.
وقوم هذا النمط، الذي وثقته منظمات حقوقية دولية مرارًا، على مراقبة النشاط الرقمي، ثم توظيف البيانات في تلفيق اتهامات تتعلق بالإرهاب أو الجرائم الإلكترونية، أو ببساطة لإسكات الأصوات الناقدة. ورغم جسامة هذه الانتهاكات، بقيت المحاسبة القانونية محدودة، بفعل تعقيدات الاختصاص القضائي وحصانة الدول.
في المراحل الأولى، حاولت البحرين إسقاط الدعوى بالاستناد إلى قانون حصانة الدولة البريطاني لعام 1978، مدعية أن الاختراق المزعوم وقع خارج المملكة المتحدة، وبالتالي لا يخضع لاختصاص محاكمها. هذا المنطق، لو قُبل، يفتح الباب واسعًا أمام شرعنة القمع الرقمي، باعتباره فعلًا «بلا مكان»، لا يُحاسَب عليه أحد.
غير أن محكمة الاستئناف البريطانية رفضت هذا الطرح، معتبرة أن الآثار الجوهرية للاختراق وقعت داخل المملكة المتحدة. الأجهزة المخترقة كانت على الأراضي البريطانية، وانتهاك الخصوصية، والضرر النفسي، والتأثير المباشر على حياة المدّعين حدثت كلها داخل حدود الدولة.
ويعكس هذا التفسير إدراكًا قضائيًا بأن الانتهاكات الرقمية تكسر منطق الحدود التقليدية، وأن السيادة لا يمكن أن تتحول إلى مظلة لحماية اعتداءات عابرة للحدود.
وتكمن أهمية القضية أيضًا في كونها تكشف قصور الأطر القانونية التقليدية أمام واقع تقني متسارع. فمبدأ حصانة الدولة صيغ في زمن كانت فيه الانتهاكات تُرتكب ماديًا، داخل أراضٍ محددة.
أما اليوم، فالهجوم الرقمي قد يُدار من خادم في دولة ثالثة، ويصيب ضحية في دولة رابعة، بينما تستفيد دولة خامسة من نتائجه. تجاهل هذا التحول يعني عمليًا منح الدول الاستبدادية رخصة مفتوحة للقمع عن بُعد.
في الوقت نفسه تتجاوز تداعيات الحكم المحتمل حدود البحرين. فإذا قبلت المحكمة العليا ادعاء الحصانة، ستُرسل إشارة خطيرة مفادها أن المراقبة الرقمية العابرة للحدود لا عواقب لها، ما يشجع المزيد من الحكومات على الاستثمار في أدوات التجسس.
أما إذا رُفض الادعاء، فسيُفتح مسار جديد للمساءلة، يسمح للضحايا بمقاضاة الدول التي تستهدفهم رقميًا حيثما وقع الضرر، ويضع ضغوطًا إضافية على الحكومات والشركات لتعزيز الشفافية والرقابة على تجارة برامج التجسس.
والرهان هنا سياسي بقدر ما هو قانوني. فالمملكة المتحدة، التي طالما قدّمت نفسها كملاذ للمعارضين وموطن لسيادة القانون، مطالبة اليوم بتحديد موقف واضح: إما أن تكون أرضها مساحة آمنة لضحايا القمع الرقمي، أو أن تتحول إلى ساحة مفتوحة لانتهاكات تُدار من خلف الشاشات.
وتؤكد منظمات حقوقية أن رفض حصانة البحرين في هذه القضية لن يكون مجرد قرار قضائي، بل رسالة بأن القمع، حتى عندما يُمارَس بأدوات رقمية صامتة، لن يظل بلا حساب.




