فشل البحرين في تبني النهج الدبلوماسي المبادر: خطاب مُعلن وممارسة غائبة

يكشف الأداء الخارجي للبحرين خلال المرحلة الراهنة فجوة واضحة بين الخطاب الدبلوماسي المعلن والممارسة الفعلية على الأرض، في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات جيوسياسية حادة تفرض على الدول الصغيرة، قبل الكبيرة، تبني سياسات مبادرة لا تكتفي بردّ الفعل أو الصمت.
ويتقاطع هذا الخلل مع انتقادات حقوقية داخلية، ترى أن النهج الانتقائي الذي يحكم إدارة الشأن المحلي امتد ليطبع السياسة الخارجية، ما أضعف قدرة المنامة على لعب أي دور مؤثر في محيطها الإقليمي أو الدولي.
ويضع الناشط الحقوقي في منظمة سلام للديمقراطية وحقوق الإنسان، يوسف المحافظة، هذا الإخفاق في سياق أوسع، معتبراً أن سياسة التمييز والتمكين القائمة على الولاء لا الكفاءة، والتسامح مع أقليات مقابل تهميش أغلبية دينية، لم تعد محصورة في الداخل البحريني، بل انعكست بوضوح على الأداء الدبلوماسي.
فالدبلوماسية، وفق هذا المنظور، لا تنفصل عن البنية السياسية الداخلية؛ دولة تُقصي جزءاً واسعاً من مجتمعها وتعطل الحوار الوطني، يصعب عليها أن تُقنع الخارج بأنها طرف موثوق في مسارات الحوار والوساطة.
وتأتي هذه الانتقادات في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، مع تصاعد التوترات العسكرية المرتبطة بإيران واحتمالات الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
ويحذّر المحافظة من أن سيناريوهات الحرب لا تهدد طهران وحدها، بل تضع دول الخليج، وفي مقدمتها البحرين، في قلب دائرة الخطر.
فالمملكة، بحكم موقعها الجغرافي واحتضانها للأسطول الخامس الأمريكي، ستكون من أكثر الدول تأثراً بأي تصعيد، سواء على مستوى أمن الطاقة، أو حرية الملاحة في الخليج، أو استقرار الأسواق المالية، ناهيك عن خطر تفجير انقسامات طائفية كامنة قد تمتد آثارها إلى الداخل.
ورغم هذه المخاطر، يلفت المحافظة إلى ما يصفه بـ”الصمت الرسمي المريب” تجاه أزمة ذات أبعاد وجودية، وهو صمت يزداد غرابة في ظل عضوية البحرين الحالية غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي.
فهذه العضوية، التي يفترض أن تمنح المنامة منصة للتأثير والمبادرة، لم تُترجم حتى الآن إلى مواقف علنية أو تحركات دبلوماسية ملموسة تدعو إلى خفض التصعيد أو دعم مسارات الحوار الإقليمي.
ويتناقض هذا الواقع، بحسب المحافظة، مع الخطاب الاحتفالي الذي رُوّج له مؤخراً في “اليوم الدبلوماسي البحريني”، حيث جرى الحديث عن قيم الحوار، والدبلوماسية الوقائية، ومفهوم “فريق البحرين الواحد”.
غير أن هذه الشعارات، كما يرى، بقيت حبيسة المنصات والخطابات، دون أن تجد طريقها إلى سياسات عملية أو مبادرات واضحة، سواء على مستوى مجلس الأمن أو في الإطار الخليجي الأوسع.
ويبرز في هذا السياق سؤال جوهري حول جدوى السياسة الخارجية البحرينية الحالية: هل تكتفي المنامة بدور المتلقي لمعادلات تفرضها القوى الكبرى، أم تسعى إلى توظيف موقعها وعلاقاتها للدفع نحو الاستقرار؟.
بالنسبة للمحافظة، فإن وجود الأسطول الخامس الأمريكي على الأراضي البحرينية لم يكن يفترض أن يكون عامل صمت أو تحفّظ، بل دافعاً لتحرك دبلوماسي استباقي يدعو إلى الحوار ويعمل على تحييد البلاد عن أي مواجهة محتملة، بدلاً من تركها عرضة لتداعيات صراع لا تملك قراره.
ويربط يوسف المحافظة بين غياب الحوار الوطني الشامل في الداخل وفشل تبني نهج دبلوماسي مبادر في الخارج. فالدولة التي تعجز عن إدارة خلافاتها الداخلية عبر الحوار، يصعب عليها أن تكون وسيطاً أو صوتاً عقلانياً في أزمات الإقليم.
ومن هنا، يدعو المنامة إلى استثمار عضويتها في مجلس الأمن، لا بوصفها مكسباً رمزياً، بل كأداة فعلية لتبني الرؤى التي أعلنتها في “حوار المنامة” والقمة الخليجية، وتحويلها من شعارات للاستهلاك الإعلامي إلى سياسات تحفظ السلم والأمن، داخلياً وإقليمياً، قبل فوات الأوان.




