أخبار

تحليل: الانتخابات النيابية في البحرين كرست الاستقطاب الداخلي

رأى مراقبون سياسيون أن الانتخابات النيابية في البحرين التي جرت مؤخرا كرست الاستقطاب الداخلي في ظل إقصاء المعارضة وإجراءها وفق مقاييس النظام الخليفي.

وقدم السياسي البحريني البارز سعيد الشهاب قراءة في الانتخابات التي أجريت في البحرين وما حملته من دلالات مهمة أبرزها:

أولا أنها لم تحظ باهتمام خارجي واسع، برغم محاولات الحكومة استقدام الإعلاميين خصوصا من الدول الغربية، الأمر الذي يعكس نمط التفكير الغربي خصوصا في الأوساط السياسية الأمريكية والبريطانية، إزاء ما يبدو من ممارسات بهلوانية بدون محتوى حقيقي.

ثانيا: أنها حدثت في ظل مقاطعة شاملة اضطرت الحكومة للاستعانة بأعداد كبيرة من الأجانب، ونظمت صناديق الاقتراع ليس في مناطق البحرين فحسب بل في البلدان التي جنست الحكومة مواطنين فيها مثل باكستان، ضمن محاولاتها تضخيم نسبة المشاركة.

ثالثا: أنها كشفت بشكل واضح حجم التجنيس السياسي الذي اعتمدته الحكومة منذ عشرين عاما في إطار تغير استراتيجي مثير للغط. يتمثل هذا التغير في توجه الحكم للخارج لتعويض غياب التوافق الداخلي.

رابعا: تعمقت القناعة بعدم جدوى المشروع الانتخابي بعد خمس دورات منذ العام 2002، سواء بالنسبة للمواطنين الذين أدركوا عدم فاعلية «البرلمان» أم الحكومة التي يفترض أنها أدركت عدم جدوى تلك الممارسة في مجال ترويض الشعب وكسر شوكة دعاة التغيير.

خامسها: أن الانتخابات الأخيرة جرت بعد أن أقدمت حكومة البحرين على التطبيع الكامل مع الاحتلال الإسرائيلي، وضاعفت بذلك غضب شعبها الذي أطلق ثورته ضد الحكم ضمن الربيع العربي قبل اثني عشر عاما تقريبا.

سادسها: أن الانتخابات أجريت في ظل أوضاع داخلية غير مستقرة، خصوصا مع وجود أكثر من 1400 سجين سياسي، وتداعيات زيارة بابا الفاتيكان وتصريحاته التي كانت سلبية من وجهة نظر الحكومة، وصدور توصيات مجلس حقوق الإنسان.

وتساءل الشهابي” كيف يمكن النظر لمساعي حكومة البحرين في مجال السعي لإعادة العلاقات المتوترة مع المواطنين؟ ولماذا الإحجام الواسع عن المشاركة ترشحا وتصويتا؟ وكيف فشل داعمو الحكومة في واشنطن ولندن عن دفعها لاستعادة الثقة مع شعبها، واكتفوا بإعلان دعم طرف واحد في معادلة الصراع بدون أن يحسبوا نتائج تلك السياسة على الأمن الداخلي من جهة وعلى طبيعة العلاقات مع الغرب من جهة ثانية، وعلى الأمن الإقليمي من جهة ثالثة؟

الأمر المؤكد أن التجربة الانتخابية الحالية لم تسجل اختراقا سياسيا في مجال العلاقات العامة أو على مستوى إقامة الدولة الحديثة التي كانت نصب عيون المواطنين قبل نصف قرن عندما انسحب البريطانيون من البلاد.

يضاف إلى ذلك أن الانتخابات لن ترأب الصدع الذي نجم عن قرار الحكومة قبل بضع سنوات حل الجمعيات السياسية واعتقال رموزها والكثير من أعضائها، لتتحول البحرين الى بلد محكوم من طرف واحد بدون السماح لشراكة سياسية حقيقية.

وحتى هذه اللحظة ما تزال الجمعيات السياسية التي شاركت في الانتخابات التي سبقت ثورة 14 فبراير 2011، محظورة، مع أنها تمثل قطاعات شعبية واسعة. لذلك كان هناك ما يشبه الإجماع على مقاطعة الدورة الأخيرة من الانتخابات.

وكانت نتائج تلك الدعوة كارثية للحكم الذي كان يرى في نسبة المشاركة مؤشرا لشرعية الإجراءات السياسية التي يقررها الديوان الملكي.

فلم يترشح فيها سوى أشخاص عاديين لا يحظون بحضور شعبي واسع أو ينتمون لمؤسسات كبيرة. وقد لوحظ هذه المرة حماس المعارضين للمقاطعة بإصدار البيانات والتوجيهات الداعية لعدم الترشح والتصويت، وبعضها صدر عن مرجعيات دينية كبرى تدعمها قواعد شعبية واسعة.

وقد جاء قرار مقاطعة الانتخابات في البحرين لأسباب عديدة. على رأس هذه الأسباب منطلق مبدئي أسّسه أصحابه على غياب الشرعية الدستورية لها.

فما منطلقات هذه الدعوى؟ يقول أصحاب هذا الرأي إن الانتخابات قائمة على أساس الدستور الذي أعلنه الشيخ حمد الخليفة في 14 فبراير 2002، أي بعد عام على إقرار ما سمي «الميثاق الوطني».

جاءت تلك الوثيقة التي طرحت للتصويت بعد ستة أعوام من اندلاع الانتفاضة التي بدأت في نهاية 1994 وسقط خلالها عشرات القتلى وسجن الآلاف وأبعد العشرات.

كانت تلك الانتفاضة تطالب بإعادة العمل بالدستور الذي كتب بتوافق بين الشعب والعائلة الحاكمة بعد الانسحاب البريطاني في العام 1971.

اعتبر ذلك الدستور تعاقدا ملزما للطرفين، لأنهما شاركا في صياغة مواده بالتوافق. وفي مطلع العام 2001 وعدت الحكومة بالاستجابة لذلك الطلب وأطلقت سراح المعتقلين السياسيين وسمحت بعودة المبعدين في خطوة غير مسبوقة.

لكن بعد عام من ذلك أعلن الشيخ حمد أمرين: تحول البحرين الى مملكة، وإعلان نفسه ملكًا، وطرح دستور جديد بدلا من دستور 1973، فكانت هناك ردة فعل سلبية حيث رفض المواطنون الدستور الجديد لأنه وضع من طرف واحد.

فبدأت مرحلة جديدة من التوتر السياسي الذي استبقته الحكومة بالإعلان عن انتخابات لمجلس وطني على أساس ذلك الدستور.

ولكن المعارضة قاطعت تلك الانتخابات التي أجريت في شهر اكتوبر 2002. وبعدها انقسمت المعارضة على نفسها، بين من دعا للمشاركة في الدورة التالية في 2006 ومن أصر على المقاطعة.

وتكرر الأمر نفسه بعد السنوات الأربع التالية (2010). ولكن سرعان ما بدأت ثورات الربيع العربي في بداية العام 2011، وكانت البحرين من بين الدول التي انطلقت فيها ثورة شعبية واسعة.

نجم عن ذلك انسحاب جمعية الوفاق الوطني الإسلامية التي كانت تمثل الكتلة الكبرى من المجلس. ومنذ ذلك الوقت تصاعد التوتر السياسي بدون توقف.

ويذهب الشطر الثاني من دعاة مقاطعة الانتخابات لأسباب إجرائية تتعلق بعدد من الأمور: عدم فاعلية المجلس السابق وعجزه عن ممارسة دور تشريعي فاعل أو التصدي للسياسات الحكومية ومنها فرض الضريبة المضافة وخفض رواتب التقاعد ورفع الدعم عن السلع الأساسية وحالة الغلاء التي تعم البلاد.

كما ينظرون للمجلس بأنه عديم الصلاحيات، ولا يتصدى لظواهر الفساد والاستحواذ على الأراضي والنشاط التجاري، ولا يستطيع محاسبة الحكومة على ضعف أدائها الإداري.

أما عائلات ضحايا القمع السلطوي فلم يروا في أداء أعضاء «البرلمان» ما يشجعهم لدعمه أو المشاركة في انتخاب أعضائه، إذ لم يطرحوا يوما معاناة هذه العائلات، ولم يتطرقوا يوما لأداء أجهزة الأمن أو يناقشوا القوانين الجائرة التي استخدمت للقمع وحرمت المواطنين من حقوقهم.

كما رأوا عجزه عن التعاطي مع مشروع التطبيع إلا بشكل سلبي، فلم يعترض على ذلك يوما، بل ربما شارك بعض أعضائه في مشروع التطبيع بالالتقاء بالمسؤولين الإسرائيليين الذين يزورون البلاد بشكل منتظم.

ولم يستدعوا الوزراء الذين استقبلوا الإسرائيليين في مكاتبهم وتعاملوا معهم وكأنهم أصدقاء للبحرين. فما جدوى هذه المؤسسة التي أصبحت شريكا في مشروع التطبيع متجاهلة مشاعر المواطنين، واحتجاجاتهم التي لم تتوقف ضد الاحتلال والتطبيع؟

وقد ساهمت عوامل عديدة في إضعاف الانتخابات والمشاركة فيها وتضاؤل بريقها. ومن ذلك ما يلي: أولها زيارة بابا الفاتيكان في الأسبوع الأول من هذا الشهر. الحكومة أرادت من توقيت الزيارة ضخ الروح في المشروع الانتخابي، ولكن موقف البابا من قضايا محلية عديدة حال دون ذلك.

ففي خطابه الذي ألقاه بحضور كبار المسؤولين بمن فيهم الشيخ حمد الخليفة، دعا لإلغاء أحكام الإعدام الصادرة بحق أكثر من 25 مواطنا، والإفراج عن المعتقلين السياسيين وانتهاج سياسة المساواة بين المواطنين وإلغاء التمييز، وكان الموقف محرجا للمسؤولين.

ثانيها: ما أصدره مجلس حقوق الإنسان الأسبوع الماضي بعد انتهائه من المراجعة الدورية الشاملة لملف حقوق الإنسان في البحرين، وبرغم الجهود الكبيرة التي بذلتها حكومتها وداعموها فقد أصدر المجلس 257 توصية تتطرق لكافة انتهاكات حقوق الإنسان.

وقد وفر ذلك مادة إعلامية للصحافيين الذين قاموا بتغطية الانتخابات، كما أقنع قطاعا أوسع من المواطنين بعدم جدوى المشروع الانتخابي في الحد من الانتهاكات. الثالث ما أصدرته المنظمات الحقوقية الدولية بشأن الانتخابات.

فقد أصدرت هيومن رايتس ووج تقريرا شجبت فيه سياسة العزل السياسي الذي منعت الحكومة بموجبه أكثر من مائة ألف مواطن من الترشح والتصويت بسبب مقاطعتهم الانتخابات السابقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى