فضائح البحرين

قانون العزل السياسي حجر عثرة أمام المعارضة البحرينية قبل الانتخابات البرلمانية

يمثل قانون العزل السياسي حجر عثرة أمام المعارضة البحرينية للقيام بأي تحرك فاعل قبيل الانتخابات البرلمانية المتوقّع إجراؤها في تشرين الأول/ أكتوبر المقبل.

وعشية الانتخابات يبدو المشهد السياسي في البحرين باهتاً، من دون لون ولا طعم ولا رائحة، في ظل استمرار الشلل شبه الكامل للحياة السياسية.

وعزت الإعلامية البحرينية وفاء العم، هذا الواقع إلى قرار النظام الخليفي حل الجمعيات السياسية وفرض قانون العزل السياسي الذي منع عدداً لا يُستهان به من أعضاء الجمعيات السياسية المعارضة وقادتها من العمل السياسي والمدني، من ضمنه الترشح للانتخابات البرلمانية.

وكما في كل دورة انتخابية، يتجدّد الجدل بشأن جدوى المشاركة في الانتخابات، بين معارضين يرَون أن البرلمان بشكله الحالي أثبت فشله لكونه منقوص الصلاحيات ومكبّلاً غير ذي جدوى، تحوّل على إثر ذلك الى أداة لتمرير المشاريع الحكومية بدلاً من القيام بمسؤوليات الرقابة وحماية حقوق الناس كما يقولون، وبين من يرى أن ثمن استمرار المقاطعة سيدفعه الناس من رصيد تجربتهم، على اعتبار أن العمل البرلماني عملية تراكمية قابلة للتطوير.

وأن العمل من داخل المنظومة ومحاولة التغيير بالأدوات المتاحة أفضل من العمل من خارجها، خصوصاً في ظل ضيق الخيارات. غير أن طرح هذه الإشكالية في هذه المرحلة يحتّم وضع العديد من المعطيات في عين الاعتبار.

أولاً: أن هذه الانتخابات تجري في ظل أوضاع سياسية غير طبيعية، وأن المسألة أبعد من جدلية المشاركة أو المقاطعة، إذ يلقي استمرار الأزمة السياسية بظلاله على الواقع.

كما أن الملف الحقوقي ما زالت دفاتره مفتوحة على الرغم من تطبيق قانون العقوبات البديلة والسجون المفتوحة، إذ ما زال عدد كبير من المواطنين قابعاً في السجون، فضلاً عن أن إجراءات تطبيق هذا القانون ما زالت بطيئة.

ولا يمكن القفز فوق حقيقة أن الأمين العام لجمعية الوفاق الإسلامية، أكبر جمعية معارضة في البحرين، ما زال مسجوناً بسبب نشاطه السياسي، إضافة إلى سياسيين وناشطين آخرين.

ثانياً: يمثل قانون العزل السياسي حجر عثرة أمام المعارضة للقيام بأي تحرك فاعل، وإن من داخل المنظومة، والإصرار على تطبيقه يعني حرمان شريحة كبيرة من المجتمع، المشاركة في الحياة السياسية أو المدنية.

سواء كانوا قيادات أم أعضاءً سابقين في الجمعيات السياسية التي تمّ حلّها على خلفية الاحتجاجات، إذ تراوح الأرقام المتداولة بين 70 ألفاً وأكثر من 100 ألف شخص، هؤلاء ليسوا محرومين من الترشح فحسب.

بل إنهم محرومون من الترشح لمجالس إدارات الجمعيات المهنية والجمعيات الخيرية، ما يجعل المسألة تتجاوز العزل السياسي إلى عملية إزاحة هؤلاء من المشهد برمّته، عبر حرمانهم حق ممارسة الأنشطة في الحياة العامة وهو بطبيعة الحال مخالف أساساً للدستور.

وفي هذا الصدد، كانت قد طُرحت في أكثر من مناسبة مسألة المراجعة السياسية للمعارضة وإعادة تشكيل نفسها بوجوه جديدة، من منطلق البحث عن أدوات بديلة، أو منطلق أن الوجوه التي أدارت الأزمة خلال السنوات السابقة كانت جزءاً من المشكلة.

غير أن هذه المراجعة غالباً ما تصطدم في نتيجتها بهذا القانون، على اعتبار أن هذه الكيانات أو الأفراد، بما يمتلكون من امتداد فكري وأيديولوجي ذي ثقل تاريخي وخبرة في العمل السياسي المنظم، غير قادرين على تجميع أنفسهم أو تنظيم صفوفهم من أجل إعادة تشكيل كياناتهم السياسية، سواء بالشخصيات التقليدية القديمة أم بوجوه سياسية جديدة.

وبطبيعة الحال، هذا لا ينفي حاجة المعارضة في البحرين إلى مراجعة أدائها وخطابها وأدواتها، وقياس مدى فعالية هذه الأدوات عبر تقييم النتائج، خصوصاً أن “الاستاتيكو” يتسيّد المشهد منذ سنوات.

فالمعارضة في الداخل مشلولة، والمعارضة في الخارج تبدو منفصلة عن الداخل على صعيدي الخطاب والسقف، كما تبدو أكثر اصطفافاً في الصراع الإقليمي من ناحية الموقف على الأقل.

إذ تفضل المعارضة في الداخل الإبقاء على الأزمة في إطارها الوطني بعيداً عن الصراعات الإقليمية، وهو نهج لطالما تبنّاه الأمين العام للوفاق الشيخ علي سلمان مع القيادات الأخرى من المعارضة، في فهم لحساسيات الوضع الداخلي الذي يجعل من المشهد السياسي أكثر تعقيداً عندما يرتبط بالتعقيدات الإقليمية.

هذا الانكماش السياسي لم يرمِ بثقله على المعارضة فحسب، بل انعكس على أداء الكيانات السياسية الأخرى، أو ما عُرف بـ “الموالاة” حيث تراجع حضورها في المشهد إلى منطقة الظل، حتى باتت أقرب إلى الغياب منه إلى الحضور.

ما حوّل العمل البرلماني من عمل حزبي ومؤسّسي وكيانات تضغط على الحكومة وتدفع نحو الإصلاح والتغيير وتمارس الرقابة والمحاسبة، إلى عمل فردي عاجز عن التغيير.

وقد انعكس ذلك جليّاً على شكل تركيبة المجالس السابقة التي كان أغلبها من المستقلين الذين فشلوا في تشكيل كتل ضغط، وخضع أداؤهم في غالبه لتقديرات فردية أو مصلحية.

وعلى الرغم من وجود بعض الشخصيات المعروفة بنزاهتها، لم تستطع تغيير المعادلة، وبقيت الحكومة المهيمن الأول على المشهد.

إذ لم ينجح المجلس في تحقيق المحاسبة أو منع أو رفض تمرير القوانين الحكومية، وليس ذلك فحسب، يقول البعض إن المجلس تحوّل إلى شكل من أشكال الاسترزاق، أو موقع لتحقيق المصالح الشخصية والفردية بدلاً من تحقيق المصلحة العامة. فهل هذا هو أقصى ما تريد منحه السلطة؟

ولا يبدو في الأفق مؤشر لتسوية سياسية كما تتطلع إليها المعارضة، في تعليق شبه كامل وتجاهل للملف السياسي من قبل السلطة الخليفية.

وذلك لغياب الضغوط الدولية من جهة، والنجاح في إضعاف المعارضة في الداخل عبر تفكيك مؤسساتها من جهة أخرى، وعدم السماح لها بإعادة هيكلة نشاطها بأي شكل من الأشكال.

أما المعارضة في الخارج فتبدو مفككة وغير متجانسة وغير قادرة على صياغة رؤية موحّدة في عملها السياسي والتنظيمي، وما أضعفها أكثر هو ميل نشاطها إلى العمل الحقوقي.

إذ تحوّل أغلب المعارضين في الخارج إلى ناشطين حقوقيين يخاطبون المجتمع الدولي من بوابة الملف الحقوقي لا السياسي. وحلحلة هذا الملف مؤخراً، وإن بشكل محدود، أفرغت جزءاً لا يُستهان به من عمل المعارضة في الخارج.

هذا الخلل في التوازن أبعد المعارضة مسافات عن تحقيق هدفها بانتزاع إصلاحات تعيدها إلى المشهد السياسي من جديد، قريباً على الأقل.

عموماً، ما يُتداول في بعض الأوساط، هو أن السلطة تريد المضيّ قدماً في تنفيذ رؤية 2030 من دون منغّصات أو رقابة أو عصيّ تُوضع لها في الدواليب لكبح وفرملة ورقابة السياسيات الحالية والمستقبلية إلى حين استكمال تنفيذ هذه الرؤية، وبالتالي، هذه هي حدود البرلمان المطلوب، وهذه هي حدود صلاحياته.

برلمان تحت السيطرة ومن دون مخالب. كما يدور في الأوساط نفسها أن عملية التنمية يُراد لها أن تكون عمودية من رأس الهرم إلى أسفله، لا عبر الشراكة الشعبية، على غرار ما يحدث في الدول المحيطة، كالسعودية والإمارات وقطر.

أي إن تحقيق بعض الإصلاحات وتحريك المياه الراكدة، يتمّان بمبادرات حكومية ومن بوابة رؤية 2030 لا من بوابة التنازل للمعارضة، إذ يبدو أن السلطة تحاول قدر الإمكان تفادي منح المعارضة، وتحديداً الوفاق، أي إنجاز يضاعف من شعبيتها بالاستجابة لمطالبها بالتسوية، أو الجلوس إلى طاولة الحوار، وهذا بطبيعة الحال يفسّر الهدف من عزل المعارضة.

وما التعديل الوزاري الأخير سوى انعكاس لهذه السياسة. تعديل وُصِفَ بالأكبر في تاريخ البحرين، إذ تم تقليص عدد وزراء العائلة الحاكمة إلى أربعة وزراء فقط، كما تم توسيع تمثيل الطائفة الشيعية بتسع وزارات وهذا أمر جديد، إضافة إلى تمثيل أكبر للمرأة بأربع حقائب وزارية فضلاً عن توزير الشباب.

هذا التعديل الوزاري يمكن وصفه بالجيد من ناحية الشكل، ولكن الفيصل في الحكم عليه يُقاس بالنتائج. وممّا لا شك فيه، فإن هذه الحكومة ستكون تحت مجهر المراقبة في الفترة المقبلة.

عموماً، هذا التعديل له دلالات عديدة على أكثر من صعيد، ولكن في سياق هذا المقال، هناك دلالاتان مهمتان، الأولى محاولة إرسال إشارات للمجتمع الدولي الذي يتّهم البحرين بممارسة التهميش والتمييز ضد الشيعة بالقول إنهم ممثلون في الحكومة.

والثاني وهو الأهم، إرسال إشارات لأبناء الطائفة الشيعية أنفسهم بأنه لا مشكلة مع الشيعة، وهذا في الحقيقة يعكس نظرة وليّ العهد الذي حاول أكثر من مرّة حل الأزمة السياسية بمبادرات لم تنجح. فهل هي محاولة لإعادة رسم العلاقة مع الشيعة الذين يمثلون القاعدة الأكبر للمعارضة؟

لا بد من ملاحظة أمرين مهمّين يحدثان بالتوازي في هذه المرحلة، أولهما أن السلطة تمدّ جسراً من التواصل مع العلامة الشيخ عبد الله الغريفي، وهو شخصية معتدلة الخطاب والتوجهات.

ويعَدُّ الرجل الثاني من حيث التأثير بعد الشيخ عيسى قاسم، وقد استضافه القصر الملكي في أكثر من مناسبة، ويعتبره البعض بمنزلة النافذة المطلة على البيت الشيعي وجسر التواصل.

ثانيهما محاولة تخفيف حدة الاحتقان مع أبناء الطائفة الشيعية عبر سلة من الإجراءات الحكومية الحقوقية، وتبعه مؤخراً تمثيل جيد لهم في الحكومة، وكأنه يُراد العبور نحو الطائفة الشيعية وتجسير العلاقة معها عبر بوابات جديدة تتجاوز الوفاق ومرجعيتها الدينية.

هنا، لا بد من الإشارة الى أن هناك خيطاً رفيعاً فاصلاً بين المعارضة المطالبة بالإصلاح، والتي تمثل الوفاق جزءاً منها، وبين العلاقة المتأزمة مع الشيعة لاعتبارهم الخزان البشري للشارع المعارض الذي تمثله الوفاق ككيان سياسي.

ما يجعل فهم طبيعة الأزمة من دون إدراك لهذا الخيط ملتبساً، هل هي إشكالية بين الشيعة والسلطة أم معارضة مطالبة بالإصلاح والسلطة؟ والحقيقة هي معادلة مركّبة، مشكلة العلاقة مع الشيعة جزء منها بحكم تكتلهم في الجسم المعارض. ولكن هل يغيّر ذلك من حقيقة وجود أزمة سياسية ومطالب بالتغيير؟

أن تتجاهل السلطة الأزمة السياسية القائمة والمطالبة بالتغيير والإصلاح، لا يعني حتماً أن هذه المطالب غير موجودة. هي ما زالت موجودة في بيوت شريحة كبيرة من الناس، في مجالسهم، في السجون، في الجمعيات المنحلة، في الذين أُسقِطت عنهم جنسيتهم والمبعدين في الخارج، وبين المثقفين والنخب.

كما أن تفكيك المعارضة لا يعني مطلقاً القضاء عليها، خصوصاً أن هذه المعارضة لها امتدادات تاريخية وليست وليدة المرحلة.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، على الرغم من كل ما تعرّض له اليسار من تهميش وإقصاء على مدى عقود، ما زال موجوداً حيّاً يُرزق.

ثم إن المطالبات بالإصلاح السياسي في البلاد ليست وليدة المرحلة، بل تمتد في تاريخها إلى خمسينيات القرن المنصرم، ما يجعل الحالة البحرينية حالة متفردة عن بقية دول الخليج.

وما تقوم به الدول الخليجية من سياسات تنموية عمودية فيها الكثير من النجاح، تحاول البحرين محاكاتها، قد تتناسب مع طبيعة هذه المجتمعات من حيث شكل العلاقة بين مؤسسات الحكم والقاعدة الشعبية.

إلا أنها قد لا تتناسب بالضرورة مع البحرين التي يطمح فيها الإنسان إلى الشراكة في صناعة القرار، وإلى التوازن السياسي بين السلطة والشعب.

وربما كان الأولى بالسلطة أن تستثمر في هذه الفرادة بدلاً من مواجهتها، ويكفي أن نعيد الذاكرة إلى مرحلة ما قبل 2011، حيث شهدت البحرين انتعاشاً اقتصادياً وسياسياً وتنموياً بفضل الانفتاح السياسي الذي قاده الملك آنذاك، ما جعل من البحرين مضرب المثل على مستوى محيطها الخليجي والعربي، وحتى في كثير من الأحيان العالمي.

إن فهم فرادة الحالة البحرينية واستيعاب تطلعات البحرينيين وطموحاتهم جزء من الحل. وإن إقصاء المعارضة لا يعني القضاء على هذا الطموح الذي يتسرّب إلى الفجوات كلما سنحت له الفرصة بذلك.

من جانب آخر، ربما تضع السلطة قيود الإقليم حجة للحؤول دون تحقيق الإصلاح، لكونها بلداً متناهي الصغر جغرافياً ومتواضع الإمكانيات الاقتصادية، وخاضعاً لتأثير محيطه، وحظوظه من حيث استقلالية القرار قليلة، ولكن ما يبدو جليّاً، هو أن السلطة تلعب ما دون هامش المحيط الإقليمي بكثير.

وبكثير من العناد والصلف والقسوة مقارنة بأقرانها من الدول، التي ربما تغيب عنها الديمقراطية، ولكنها تحافظ على قدر من التوازن في العلاقة وهامش مريح بين الحاكم والمحكوم، ولا تذهب إلى الأقصى بعملية عقاب جماعي، وبمواجهة قاسية مع مكوّن اجتماعي كبير وذي ثقل في البلاد، أو التورط في عملية خطيرة كالتجنيس السياسي، الذي بات واقعاً له تبعاته ليس على البحرين والبحرينيين فقط.

في الحقيقة، ربما يمنع هذا الإقليم البحرين من قفزة في الهواء الطلق وتحقيق ديمقراطية كاملة، ولكنه لا يمنعها من تحقيق المواطنة المتساوية، كما لا يمنعها من رفع هامش الحريات أو التماهي مع الخصوصية الداخلية، بل على العكس، هذا المحيط ليس من مصلحته اضطراب في خاصرته.

وتجاهل المطالب بالإصلاح، ومن بينها برلمان كامل الصلاحيات أو بصلاحيات جيدة، ورفض إلغاء قانون العزل السياسي ما هو إلا هروب إلى الأمام من استحقاق تدفع ثمنه البلاد من استقرارها ورفاهيتها. وجدلية المشاركة والمقاطعة في الانتخابات المقبلة لا تخرج عن كونها مسألة شكلية ضمن مشهدية أكبر وأوسع وأكثر عمقاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى