فساد

تقييد صلاحيات البرلمان يكشف عورة وهم الإصلاح في البحرين

جاءت الخطوات الأخيرة المقيدة لصلاحيات مجلس النواب البحريني لتقضي على ما تبقى ممّا يروج له النظام ودوائره المختلفة من نموذج للديمقراطية الشكلية في المملكة.

ويقول مراقبون إن صلاحيات مجلس النواب تتقلص يوماً بعد يوم، بالرغم من مطالبات المعارضة ببرلمان كامل الصلاحيات منذ عام 2011، يكون صوت الشعب والمشرّع له.

ويضع ذلك العديد من علامات الاستفهام على ماهية التجربة الديمقراطية في البحرين وسيرورتها.

في 20 الشهر الجاري، وافق مجلس النواب على مرسوم بقانون يقلّص عدد النواب المشاركين في المناقشة العامة إلى عشرة أعضاء فقط.

وينص على ألا تزيد مدة المناقشة لأي عضو عن خمس دقائق.

وبحسب المرسوم نفسه، لا يجوز أن تتضمن المناقشة توجيه النقد أو اللوم أو الاتهام ولا أن تتضمن أقوالاً تخالف الدستور أو القانون.

أو تشكل مساساً بكرامة الأشخاص أو الهيئات أو إضراراً بالمصلحة العليا للبلاد.

خواء وضعف

ويقول النائب عن كتلة “تقدّم” فلاح هاشم: “صوّتنا بعدم الموافقة على هذا المرسوم، وذلك على أساس أن ما ورد في التعديل.

بشأن عدم جواز أن تتضمن المناقشة العامة توجيه اللوم أو النقد أو الاتهام، هو تقييد”.

إذ يُفترض كما يقول هاشم أن تمكّن الأدوات البرلمانية، والمناقشة العامة إحداها، النائب من أن يعكس نبض الشارع ومطالبه.

من خلال استيضاح سياسات الحكومة حول موضوع ما مع الوزير المختص، وتبادل الرأي بشأنه وتفنيد حججه أو أدلته، وبذلك تبيان النواقص والخلل في إدارته أو قراراته لذات الموضوع”.

ويعتبر هاشم “أن ما حدث يدلّ على أن ما تم في بعض المناقشات العامة، وخاصة مناقشة سياسات سوق العمل، وقبلها سياسات التعليم.

كان له دور في كشف مدى ضعف هذه الجهات، وخواء سياساتها وإجراءاتها التنفيذية، ما دفع باتجاه تقليص دور المجلس وتضييق هامش العمل فيه”.

ويعترف هاشم بأن “واقع المجلس بتركيبته الحالية وضعفه أمام الجهاز التنفيذي، بالإضافة إلى العقبات الأخرى، من مجلس شورى، وإجراءات تطول أمام أي تشريع.

كل ذلك لا يساعد أو يؤمَل منه إمكانية تعديل بعض هذه القوانين المقيّدة لعمل المجلس”.

والدليل كما يقول أن هناك اقتراحاً بقانون تقدّمتُ به مع نواب آخرين لتعديل في بعض مواد اللائحة الداخلية منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2019 ويتعلّق بالاستجواب وإلى الآن يقبع في اللجنة قيد الدراسة”.

خطوة صادمة

وترى القانونية هديل كمال الدين أن “البرلمان ناقص الصلاحيات قبل أن يقوم بهذه الخطوة التي صدمت المجتمع”.

وتضيف: “لنكن واقعيين، الصلاحيات التي قام البرلمان بسحبها ما هي إلا صلاحيات شكلية يستخدمها النواب للظهور الإعلامي والدعاية الانتخابية.

فالدستور ينص على ألا يصدر قانونٌ ما لم يقرّه كلٌّ من مجلسي الشورى (المعيّن أساساً من الملك) والنّواب (المنتخب من خلال نظام انتخابي لا يعطي صوتاً انتخابياً متساوياً لجميع المواطنين من خلال التوزيع غير العادل للدوائر)، وبالطبع لا بد من تصديق الملك عليه”.

سلب جديد

ووصف النائب يوسف زينل التعديل القادم من الحكومة بأنه “سلب جديد لصلاحيات النواب، وتحجيم لوظيفتهم الرقابية على السلطة التنفيذية وأجهزتها، وهي الوظيفة التي يتطلب القيام بالحد الأدنى منها توجيه النقد للوزراء المختصين”.

وتساءل: “هل تسعى الحكومة لتدجين ممثلي الشعب؟ ولمصلحة مَن استمرار مسلسل التراجع للتجربة التي تمثل محور المشروع الإصلاحي لجلالة الملك؟”.

وأسفت نائبة الأمين العام للشؤون التنظيمية وعضو اللجنة المركزية في المنبر التقدمي دينا الأمير لـ”تفريط النواب وتنازلهم عن صلاحياتهم تباعاً وطوعاً، ما جعلنا أمام تراجعات”.

وأضافت: “بدل أن يمثل النواب شعبهم ويدافعوا عن حقوقه ومصالحه، يمثلون الحكومة ويدافعون عنها ويبررون لها كل خطوة تراجعية”.

وأكدت أن “تقليص صلاحيات النواب لا يخدم المسيرة الديمقراطية ولا حماية مصالح الناس” وأن “قبة البرلمان هي منصة لتفعيل دور الرقابة وكشف مَواطن الخلل والفساد، والتي أصبحت الآن مفقودة بسبب هذا التعديل”.

وترى الأمير “أن الفسحة التي كانت متاحة للنقد وإبداء وجهة النظر أصبحت أكثر ضيقاً مما كانت عليه”.

“مشهد سريالي”

ويصف المدوّن أحمد الحربان ما حدث بأنه “مشهد سريالي بامتياز”.

ويتساءل: “كيف بممثلي الشعب أن يقلّصوا صلاحياتهم بأيديهم؟! ما نعرفه هو أن مقام تمثيل الشعب هو مقام مراقبة ومحاسبة.

وهذا يحتاج أكبر قدر ممكن من الصلاحيات والآليات لتضييق الخناق على الفساد، وضمان تحقيق المصلحة العامة، بما يخدم البلد والمواطنين”.

واعتبر أن ما حدث “قفزة وليس خطوة، قفزة كبيرة إلى الوراء، وجريئة أيضاً، لأنها بالغة الوضوح، وغير مكترثة”.

برلمان قاد للصلاحيات

كانت سبع جمعيات سياسية، استنكرت الخطوة الجديدة التي استهدفت تقليص صلاحيات النواب بذريعة ضبط المناقشات العامة في جلسات مجلس النواب.

وقالت في بيان، إن الخطوة الجديدة “تستهدف القضاء على ما تبقى من صلاحيات للمجلس النيابي بطريقة تحول دون العمل البرلماني الذي يلبّي طموحات شعب البحرين”.

وأضافت أن “هذه المحاولات مستمرة للإبقاء على هذا العمل في حال من المراوحة وجعل البرلمان فاقداً للصلاحيات التي لا بد أن يتمتع بها أي مجلس برلماني خاصة في ما يخص دوره في الرقابة والمساءلة والنقد”.

وعبّرت الجمعيات عن دهشتها من أن ذلك يتم “على أيدي مجموعة من النواب”.

واتهمت النواب بأنهم “يفرّطون بالحد الأدنى من الأدوات المتاحة بأيديهم لأسباب تبدو مبهمة وشخصية ليس لها علاقة بخدمة تطور مسيرة المجلس النيابي وتفعيل دوره الرقابي، ولا بحماية مصالح المواطنين”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى