تمر ست سنوات على إعلان البحرين إقامة علاقات تطبيع مع إسرائيل ضمن اتفاقات أبراهام برعاية أمريكية، فيما تتسع الفجوة بين الرواية الرسمية التي رافقت التطبيع وبين ما تعتبره قوى معارضة وقطاعات من المجتمع البحريني حصيلة سياسية وأمنية واقتصادية مثقلة بالتكاليف.
ووقّعت المنامة في 15 سبتمبر/أيلول 2020 إعلان إقامة العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وسط وعود رسمية بأن يؤدي الاتفاق إلى فتح أبواب جديدة أمام الاستثمار والسياحة والتكنولوجيا والطاقة والصحة والتعاون الأمني، وأن يشكل خطوة نحو شرق أوسط أكثر أمناً وازدهاراً.
لكن ست سنوات من التجربة أعادت إلى الواجهة سؤالاً أساسياً: ماذا أضاف التطبيع فعلياً إلى حياة البحرينيين، وماذا كلف البلاد على مستوى صورتها وموقعها الإقليمي وأمنها الداخلي؟
فقد واجه القرار منذ بدايته اعتراضاً من قوى وشخصيات بحرينية، التي اعتبرت أن إقامة العلاقات مع إسرائيل لا تحظى بغطاء شعبي. وأعلنت مجموعات سياسية ومدنية بحرينية رفضها للاتفاق فور الإعلان عنه، مؤكدة أن التطبيع يتعارض مع الموقف الشعبي المتوارث تجاه القضية الفلسطينية. كما وثقت تقارير لاحقة استمرار نشاط معارضي التطبيع داخل البحرين، رغم القيود السياسية المفروضة على العمل العام.
وأظهرت السنوات التالية أن التطبيع لم يتحول إلى قبول شعبي واسع. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2023، خرج بحرينيون في احتجاجات أمام السفارة الإسرائيلية في المنامة مع تصاعد الحرب في غزة، في مشهد اعتبرته وكالة أسوشيتد برس دليلاً على اتساع الفجوة بين قرار الحكومة ومواقف قطاعات من المجتمع.
وأشارت الوكالة إلى أن البحرين كانت من الدول التي شهدت احتجاجات تطالب بإلغاء اتفاق التطبيع مع إسرائيل.
وتكتسب هذه المعارضة أهمية أكبر لأن رفض التطبيع لا يقتصر على البحرين. فقد أظهرت استطلاعات الرأي في عدد من الدول العربية تراجعاً حاداً في التأييد للعلاقات مع إسرائيل بعد حرب غزة.
وقال الباروميتر العربي في يناير/كانون الثاني 2025 إن التأييد للتطبيع تراجع في الدول التي شملتها استطلاعاته، ولم تتجاوز نسبة المؤيدين 13% في أي من الدول السبع التي شملها الاستطلاع خلال موجة 2023 و2024.
لكن التحول الأهم خلال السنوات الست الماضية ظهر في المجال الأمني. فالبحرين لم تكتفِ بعلاقات دبلوماسية مع إسرائيل، بل واصلت توسيع اندماجها في ترتيبات أمنية إقليمية تقودها الولايات المتحدة.
وفي سبتمبر/أيلول 2023 وقعت المنامة وواشنطن اتفاقية “التكامل الأمني والازدهار الشامل”، التي نصت على توسيع التعاون في الدفاع والأمن والتكنولوجيا والتجارة والاستثمار، وعلى العمل نحو مزيد من التكامل في الدفاع الجوي والصاروخي والقدرات الاستخباراتية والأمن السيبراني.
وأصبحت البحرين، في الوقت نفسه، جزءاً أكثر وضوحاً من البنية العسكرية الأميركية في الخليج، فهي تستضيف الأسطول الخامس للبحرية الأميركية والقيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية، إضافة إلى ترتيبات أمن بحري متعددة الأطراف.
ولا يعني ذلك أن التطبيع مع إسرائيل وحده تسبب في تحويل البحرين إلى هدف عسكري، لكن اتساع شبكة التحالفات العسكرية في المنطقة جعل أراضيها ومنشآتها مرتبطة بصورة أوثق بالصراعات الإقليمية.
وقد ظهر هذا الخطر بوضوح خلال الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران عام 2026، عندما تعرضت البحرين لهجمات إيرانية متكررة باعتبارها دولة تستضيف منشآت وقوات أميركية.
وسجلت الهجمات أضراراً مباشرة في البنية التحتية. وأعلنت رويترز في سبتمبر/أيلول 2026 أن منشآت شركة أمازون ويب سيرفيسز في البحرين تعرضت لأضرار كبيرة جراء ضربات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة خلال الحرب، وأن الشركة لم تتمكن من إعادة الوصول إلى المنطقة السحابية البحرينية بالكامل، ما دفع عملاء إلى نقل أحمالهم إلى مناطق أخرى.
وسجلت البحرين كذلك أكثر من 600 هجوم بصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية خلال الحرب، بحسب أرقام نقلتها أسوشيتد برس، طالت منشآت وبنى تحتية بينها محطة لتحلية المياه ومصفاة للنفط ومصنع للألمنيوم، فيما استهدفت إيران أيضاً مقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين.
وأعاد ذلك المشهد طرح السؤال حول جدوى سياسة الاصطفاف الإقليمي بالنسبة لدولة صغيرة مثل البحرين. فكلما ازدادت ارتباطات المنامة الأمنية والعسكرية بالمواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران، أصبحت البلاد أكثر تعرضاً لتداعيات الصراع، حتى عندما لا تكون هي الطرف المباشر الذي بدأ المواجهة.
وتضاعفت الكلفة السياسية للتطبيع مع استمرار الحرب في غزة. فقد باتت العلاقات مع إسرائيل بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي مرتبطة بصورة مباشرة بسياساتها تجاه الفلسطينيين، الأمر الذي جعل الحكومات المطبعة تواجه فجوة متزايدة بين علاقاتها الرسمية مع إسرائيل ومواقف شعوبها.
وبالنسبة إلى البحرين، انعكست هذه الفجوة على صورتها الإقليمية. فالدولة التي قدمت التطبيع في 2020 باعتباره مدخلاً إلى السلام والازدهار أصبحت تواجه انتقادات شعبية وسياسية بسبب استمرار العلاقة مع إسرائيل في ظل الحرب على غزة. ولا يمكن قياس الضرر المعنوي بالأرقام، لكن استمرار الاحتجاجات والمواقف الرافضة للتطبيع يؤكد أن الاتفاق لم يتحول إلى إجماع اجتماعي.
وتظهر تجربة السنوات الست أن الرهان على المكاسب الاقتصادية والأمنية للتطبيع لم ينهِ الاعتراض الشعبي، كما أن الاندماج المتزايد في ترتيبات الأمن الإقليمي لم يمنع تعرض البحرين لمخاطر الحرب.
ويبقى السؤال السياسي الأكثر حضوراً بعد ست سنوات: هل نجحت العلاقة مع إسرائيل في تحقيق الوعود التي رافقت توقيعها، أم أنها عمقت الفجوة بين الدولة والمجتمع وأدخلت البحرين بصورة أكبر في صراعات المنطقة؟
وتشير الوقائع المتاحة إلى أن التطبيع لم ينهِ المعارضة الشعبية، ولم يمنع تعرض البحرين لمخاطر الصراع الإقليمي، فيما تواصل القضية الفلسطينية تشكيل عامل رئيسياً في الموقف الشعبي الرافض للعلاقة مع إسرائيل.
وبينما تتمسك الحكومة بتحالفاتها وعلاقاتها الدولية، تظل كلفة هذه الخيارات موضع غضب شعبي داخل البحرين وفي المحيط العربي والإسلامي، خصوصاً مع استمرار الحرب في فلسطين وتصاعد المواجهة الإقليمية.
