كشفت قضية الناشط والسجين السياسي السابق علي مهنا عن استمرار سياسة القمع التي تستهدف النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان وعائلات المعتقلين السياسيين في البحرين، بعدما واصلت السلطات احتجازه منذ أواخر مايو الماضي على خلفية مشاركته في مراسم عزاء دينية.
واعتقلت السلطات البحرينية علي مهنا في 24 مايو 2026 عقب استدعائه إلى مركز شرطة النعيم، قبل نقله إلى التحقيق ثم إحالته إلى الحبس الاحتياطي بتهمة المشاركة في مراسم عزاء دينية في العاصمة المنامة. وجاء الاعتقال بعد أقل من أسبوعين على الإفراج عنه من احتجاز سابق، في مؤشر على استمرار الملاحقة الأمنية بحقه.
وقد تعرض مهنا خلال أكثر من عقد لسلسلة متواصلة من الاستدعاءات والاعتقالات بسبب نشاطه السلمي ومطالبته بالإفراج عن المعتقلين السياسيين، وفي مقدمتهم نجله حسين مهنا، إضافة إلى دفاعه عن حرية التعبير وحق التجمع السلمي.
وعمل مهنا مدرساً للغة العربية في مدرسة الإمام علي بمنطقة المعامير قبل فصله من عمله عقب اعتقاله على خلفية مشاركته في احتجاجات عام 2017، لتبدأ منذ ذلك الحين مرحلة طويلة من الملاحقات الأمنية التي استهدفته بصورة متكررة.
وتعرض في 23 مايو 2017 للاعتقال أثناء فض اعتصام الدراز المؤيد للشيخ عيسى قاسم، حيث أصيب بطلق “شوزن” في الرأس تسبب بإصابة دائمة أثرت على الرؤية في عينه اليمنى. وبعد إصابته اعتقل ونقل إلى إدارة المباحث الجنائية، حيث بقي محتجزاً 23 يوماً، أكد خلالها تعرضه للضرب والتعذيب وسوء المعاملة، كما حرم من التواصل مع عائلته إلا بعد خمسة أيام من اعتقاله ولمدة لم تتجاوز دقيقة واحدة.
ونقل لاحقاً إلى سجن الحوض الجاف لتلقي علاج محدود قبل الإفراج المؤقت عنه في يناير 2018، فيما ظل يخضع للمحاكمة حتى سلم نفسه في أبريل 2019 لتنفيذ حكم بالسجن لمدة عام. وخلال وجوده في سجن جو تعرض، بحسب إفاداته، لاعتداء جديد استهدف موضع إصابته القديمة، ما أدى إلى فقدانه الوعي وإصابته بصداع مزمن لا يزال يعاني منه حتى اليوم.
واستمرت الملاحقات الأمنية بعد الإفراج عنه، إذ فرضت عليه غرامة مالية عام 2021 بسبب مشاركته في احتجاجات طالبت بالإفراج عن السجناء السياسيين خلال انتشار فيروس كورونا في سجن جو، كما اعتقل في العام نفسه على خلفية منشور تناول وفاة السجين حسين بركات.
وتصاعدت الاستدعاءات الأمنية خلال السنوات اللاحقة، إذ استدعي 18 مرة خلال عام 2022، ثم 13 مرة في عام 2023، و14 مرة خلال عام 2024، و11 مرة في عام 2025، إضافة إلى استدعاء جديد عام 2026 سبق اعتقاله الأخير.
وقد ارتبطت جميع هذه الإجراءات بمشاركته في وقفات سلمية أو منشورات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تناولت أوضاع السجون، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، ودعم ضحايا الإعدامات، والدعوة إلى الإصلاح ومناصرة القضية الفلسطينية.
وتشير الإحصاءات إلى أن مهنا اعتقل 20 مرة منذ عام 2013، بينما خضع لـ65 استدعاءً للتحقيق بين عامي 2021 ومايو 2026، في واحدة من أكثر حالات الملاحقة المتكررة التي طالت ناشطاً حقوقياً في البحرين.
وفي مارس 2026 أعادت السلطات اعتقاله بسبب منشور عبر وسائل التواصل الاجتماعي دعا فيه إلى تحييد البحرين عن الصراعات الإقليمية، وإلغاء اتفاقية التطبيع وإغلاق القاعدة العسكرية الأمريكية، قبل الإفراج عنه بعد 47 يوماً من الاحتجاز.
ولم يدم الإفراج طويلاً، إذ تلقى في الساعات الأولى من فجر 24 مايو رسالة نصية تطلب حضوره إلى مركز الشرطة، وبعد ساعات من مشاركته في موكب عزاء الإمام محمد الباقر في المنامة أوقف مجدداً، ونقل إلى إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية، حيث أبلغ بأن التحقيق يتعلق بمشاركته في “مراسم عزاء غير مرخصة”، قبل إحالته إلى الحبس الاحتياطي.
وأكد مهنا أثناء التحقيق أنه لم ينكر مشاركته في المناسبة الدينية، معتبراً أنها تندرج ضمن حقه في ممارسة الشعائر الدينية الذي يكفله الدستور البحريني، نافياً مشاركته في أي هتافات أو أعمال مخالفة، ومؤكداً أن حضوره اقتصر على المشاركة في مراسم العزاء.
وكشفت المعلومات الواردة من داخل الاحتجاز تعرضه لاعتداءات جسدية متكررة، إذ أفاد بتعرضه للضرب على موضع الإصابة القديمة في رأسه، بينما قال إن أحد الضباط أبلغه بأنه تعمد ضربه للتأكد مما إذا كانت الإصابة لا تزال تؤلمه. كما أفادت المعلومات بتكرار الاعتداء خلال شهر يوليو الجاري.
وأدى ذلك إلى تدهور حالته الصحية، حيث أصيب بصداع حاد ودوار وارتفاع مستمر في ضغط الدم، وأصبح غير قادر على الوقوف أو أداء الصلاة بصورة طبيعية، فيما اقتصرت الرعاية الطبية داخل السجن على تقديم مسكنات، قبل نقله لاحقاً إلى عيادة السجن ثم إلى مجمع السلمانية الطبي دون إخضاعه لفحوصات تخصصية أو إجراء الأشعة اللازمة بصورة عاجلة.
وأفادت عائلته بأنها تقدمت بعدة شكاوى إلى الجهات المختصة بسبب تدهور حالته الصحية، احتجاجاً على تأخر الفحوصات الطبية وعدم اطلاعه أو أسرته على نتائج التحاليل، إضافة إلى نقله عقب إحدى الزيارات الطبية إلى غرفة مخصصة للمدخنين رغم كونه غير مدخن، ووضعه في زنزانة لا تراعي حالته الصحية، الأمر الذي زاد من معاناته اليومية.
وفي الوقت نفسه، واصلت النيابة العامة والمحكمة تجديد حبسه الاحتياطي بصورة متكررة منذ اعتقاله، حيث جددت المحكمة في 15 يوليو حبسه خمسة عشر يوماً إضافية، رغم مطالبة هيئة الدفاع بالإسراع في البت بالقضية.
ويرى حقوقيون أن قضية علي مهنا تعكس نمطاً ممنهجاً من استخدام الاستدعاءات والاحتجازات والإجراءات القضائية لمعاقبة النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان وعائلات المعتقلين السياسيين بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم الأساسية، في انتهاك للحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وحرية الدين والمعتقد، فضلاً عن مخالفة الالتزامات الدولية المتعلقة بحظر التعذيب وضمان الرعاية الصحية للمحتجزين.
وطالبت منظمة “أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين” بالإفراج الفوري وغير المشروط عن علي محسن مهنا، وإسقاط جميع التهم الموجهة إليه، وفتح تحقيق مستقل في مزاعم التعذيب وسوء المعاملة، ومحاسبة المسؤولين عنها، وتوفير العلاج الطبي المتخصص له، وإنهاء سياسة الملاحقات الأمنية التي تستهدف النشطاء وعائلات السجناء السياسيين، بما ينسجم مع التزامات البحرين بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
