أثارت أولى جلسات محاكمة 19 من علماء الدين في البحرين موجة جديدة من الانتقادات الحقوقية، بعد إجراءات قضائية كرست غياب الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، وفي مقدمتها رفض المحكمة تسليم هيئة الدفاع نسخة من ملف القضية الذي يتجاوز خمسة آلاف صفحة.
وبحسب مصادر حقوقية فقد اكتفت المحكمة بالسماح للمحامين بالاطلاع عليه داخل المحكمة لمدة لا تتجاوز ساعتين، وهو ما اعتبرته هيئة الدفاع وقتاً غير كافٍ لإعداد المرافعات بصورة تضمن حق المتهمين في الدفاع عن أنفسهم.
ومثل المتهمون أمام المحكمة عبر تقنية الاتصال المرئي من داخل أماكن احتجازهم، وسط إجراءات أمنية مشددة، فيما شهدت الجلسة انسحاب المحامين المنتدبين من قبل المحكمة عقب حضور المحامين الأصليين الموكلين عن المتهمين، الذين أعلنوا رفضهم للقيود المفروضة على حق الدفاع.
وأنكر جميع المتهمين التهم المنسوبة إليهم، إلا أن هيئة الدفاع أكدت أن المحكمة خفضت الصوت أثناء شروعهم في الإدلاء بأقوالهم، الأمر الذي حال دون سماع مداخلاتهم بصورة واضحة، ما أثار اعتراضات بشأن ضمان حق المتهم في عرض دفاعه بصورة علنية وكاملة.
ورغم رفضها تسليم ملف القضية أو نسخ من أدلة الإثبات، وافقت المحكمة على طلب الدفاع بالسماح للمحامين بمقابلة موكليهم وفق الإجراءات المعمول بها، في خطوة اعتبرها المحامون غير كافية لمعالجة القيود المفروضة على إعداد الدفاع.
وتأتي هذه التطورات في وقت أكد فيه منتدى البحرين لحقوق الإنسان أن القضية تشهد سلسلة من الانتهاكات القانونية والحقوقية التي تمس جوهر المحاكمة العادلة، معتبراً أن السلطات البحرينية انتقلت من مرحلة توجيه الاتهامات إلى مرحلة إصدار أحكام مسبقة بالإدانة قبل بدء الفصل القضائي في القضية.
وأوضح المنتدى أن القضية تعود إلى حملة أمنية بدأت في التاسع من مايو/أيار الماضي، عندما أعلنت السلطات توقيف 41 شخصاً، قبل إصدار قرارات بالحبس الاحتياطي والتحفظ على الأموال والحسابات المصرفية، ثم إحالة 19 من علماء الدين إلى المحاكمة، بينهم ثمانية يحاكمون غيابياً، يتقدمهم المرجع الديني الشيخ عيسى قاسم.
وأشار المنتدى إلى أن البيانات الرسمية الصادرة عن النيابة العامة قبل انطلاق المحاكمة تضمنت أوصافاً واتهامات قطعية بحق المتهمين، بما يخالف مبدأ قرينة البراءة المكفول في المواثيق الدولية، ويقدم المتهمين للرأي العام باعتبارهم مدانين قبل صدور أي حكم قضائي نهائي.
وأضاف أن السلطات ربطت في تصريحاتها بين معتقدات دينية، من بينها “ولاية الفقيه”، وبين مزاعم تتعلق بالإرهاب وتهديد الأمن الوطني، دون تقديم ما يثبت وجود علاقة قانونية بين اعتناق هذه الأفكار وارتكاب أفعال مجرمة، معتبراً أن هذا النهج يرقى إلى تجريم حرية الفكر والمعتقد، ويتعارض مع أحكام الدستور البحريني والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
كما انتقد المنتدى استخدام السلطات لمصطلحات عامة وفضفاضة، مثل “زعزعة الاستقرار” و”الأفكار المناوئة” و”الهيمنة على دور العبادة”، معتبراً أنها تفتقر إلى التعريف القانوني الدقيق، بما يسمح بتوسيع نطاق التجريم ليشمل الأنشطة الدينية السلمية وحرية التعبير.
وأكد المنتدى أن ربط المتهمين بإيران والحرس الثوري في البيانات الرسمية قبل انتهاء المحاكمة يمثل انتهاكاً مباشراً لقرينة البراءة المنصوص عليها في المادة (14) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تؤكد حق كل متهم في أن يُعامل باعتباره بريئاً إلى أن تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي.
وأضاف أن التصريحات الإعلامية الرسمية لم تقتصر على عرض الاتهامات، بل قدمتها للرأي العام باعتبارها حقائق ثابتة، وهو ما من شأنه التأثير في استقلال القضاء وخلق مناخ إعلامي يدفع نحو الإدانة المسبقة، بما ينعكس سلباً على نزاهة المحاكمة.
وانتقد المنتدى أيضاً وصف السلطات للعلماء المتهمين بأنهم ينتمون إلى “تنظيم إرهابي” قبل صدور أي أحكام قضائية، معتبراً أن إطلاق مثل هذه الأوصاف يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ العدالة، ويقوض ثقة الرأي العام في استقلال المؤسسة القضائية.
وفي السياق ذاته، أعرب المنتدى عن قلقه من استمرار احتجاز عدد من المتهمين بمعزل عن العالم الخارجي، وحرمانهم من التواصل المنتظم مع محاميهم وأفراد أسرهم.
وحذر من أن مثل هذه الظروف تزيد من احتمالات التعرض للتعذيب أو سوء المعاملة، خصوصاً مع انعقاد أولى جلسات المحاكمة عن بُعد ودون حضور فعلي للمتهمين أو ذويهم داخل قاعة المحكمة.
وأكد أن هذه الإجراءات تتعارض مع اتفاقية مناهضة التعذيب والمبادئ الأساسية المتعلقة بحقوق المحتجزين، والتي تكفل حق كل متهم في التواصل مع محاميه وإعداد دفاعه بصورة كاملة، مشدداً على أن أي اعترافات أو أقوال يتم الحصول عليها في ظل هذه الظروف تفتقر إلى الضمانات القانونية اللازمة.
كما انتقد المنتدى استناد السلطات إلى ضبط كتب دينية وأموال باعتبارها أدلة على النشاط الإرهابي، موضحاً أن حيازة الكتب أو الأموال لا تشكل في حد ذاتها جريمة ما لم تثبت صلتها المباشرة بأفعال مجرمة وفق إجراءات قضائية عادلة، معتبراً أن عرض هذه المضبوطات باعتبارها أدلة إدانة يهدف إلى تجريم الممارسات الدينية السلمية وإثارة الرأي العام ضد المتهمين.
ورأى المنتدى أن إحالة عدد كبير من كبار علماء الطائفة الشيعية إلى محاكمة جماعية، وربط المؤسسات الدينية الشيعية بالإرهاب، يثير مخاوف جدية من وجود سياسة تمييز على أساس الدين والمعتقد، بما يتعارض مع الالتزامات الدولية للبحرين في مجال حقوق الإنسان.
كما اعتبر أن محاكمة أشخاص سبق تجريدهم من الجنسية، وفي مقدمتهم الشيخ عيسى قاسم، تمثل انتهاكاً إضافياً لحقهم في المحاكمة العادلة، لأن إسقاط الجنسية يؤثر في المركز القانوني للمتهم ويحد من قدرته على ممارسة حقوق الدفاع بصورة كاملة.
وطالب منتدى البحرين لحقوق الإنسان بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع علماء الدين المحتجزين، وإنهاء الاحتجاز التعسفي، واحترام قرينة البراءة، وضمان محاكمات مستقلة ونزيهة.
وحث مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمقررين الخاصين على فتح تحقيق دولي مستقل في القضية، وممارسة الضغوط على السلطات البحرينية للالتزام بتعهداتها الدولية وضمان توفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة للمتهمين.
