سردية “الخلايا” في البحرين: صناعة العدو الداخلي لتعويض إخفاقات الأمن والسيادة

تكشف التطورات الأمنية والإعلامية المتلاحقة في البحرين عن نمط متكرر في إدارة الأزمات، يقوم على إنتاج “سردية جاهزة” تُعاد صياغتها مع كل موجة توقيفات جديدة، بحيث تتحول الحوادث الأمنية إلى أدوات سياسية وإعلامية لتبرير واقع أعمق من الفشل في السياسات الدفاعية والسيادية.

وتُعلن السلطات البحرينية بين الحين والآخر عن “تفكيك خلايا” مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني أو حزب الله، في رواية تكاد تتكرر بتفاصيلها ذاتها، من حيث الاتهامات، وطبيعة “الاعترافات”، واللغة المستخدمة في توصيف الخطر، ما يثير تساؤلات حول مصداقية هذه السرديات ومدى ارتباطها بحقائق ميدانية.

وتُدار هذه الرواية وفق نمط واضح، يبدأ بتحديد “العدو الداخلي” من بين فئات محددة، غالباً ما تُربط بمواقف سياسية أو دينية، مثل التعاطف مع قوى المقاومة في المنطقة، أو رفض الوجود العسكري الأمريكي، أو انتقاد السياسات الرسمية، ليتم بعدها تصنيف هذه المواقف ضمن إطار “التهديد الأمني”.

ولا تقف هذه العملية عند حدود الاتهام، بل تتطور سريعاً إلى توصيفات أكثر خطورة، حيث يُنقل الأفراد من خانة “مشتبه بهم” إلى “خلايا إرهابية”، مع تضخيم التهم لتشمل تهديد الأمن القومي والسيادة، في خطاب يهدف إلى خلق حالة من الخوف العام وتبرير الإجراءات الأمنية المشددة.

في هذا السياق، تلعب وسائل الإعلام الرسمية دوراً محورياً، حيث تتحول إلى منصة لإعادة إنتاج الرواية الأمنية، عبر نشر تفاصيل وصور عن الموقوفين قبل أي مسار قضائي، ما يؤدي فعلياً إلى إصدار أحكام مسبقة في الرأي العام، في ظل غياب كامل لصوت المتهمين أو حقهم في الدفاع.

وبحسب مراقبين فإن هذا النمط الإعلامي لا يترك مساحة للبراءة، بل يضع المتهم مباشرة في خانة “الخيانة”، ويعيد تشكيل الوعي العام بحيث تصبح المعارضة أو حتى التعبير السياسي المختلف مرادفاً للتهديد الأمني.

الأخطر في هذه السردية هو اعتمادها، وفق تقارير حقوقية وشهادات، على “اعترافات” يُشتبه في انتزاعها تحت الضغط أو التعذيب، بهدف إضفاء شرعية شكلية على الرواية الرسمية، وإغلاق أي نقاش حول مصداقيتها.

في المقابل، تغيب الأسئلة الجوهرية عن المشهد: أين الأدلة القابلة للتحقق؟ ما طبيعة هذه “الخلايا” فعلياً؟ هل تم ضمان محاكمات عادلة وشفافة؟ ولماذا يُحسم الملف إعلامياً قبل أن يصل إلى القضاء؟

تشير هذه المعطيات إلى أن ما يجري يتجاوز كونه سياسة أمنية تقليدية، ليتحول إلى سياسة إعلامية متكاملة، تُنتج التهمة، وتضخمها، وتحصّنها عبر الخطاب الرسمي، قبل أن تُختبر قانونياً، إن اختُبرت أصلاً.

يأتي ذلك في سياق إقليمي متوتر، حيث تحاول البحرين، التي تستضيف قواعد عسكرية أجنبية، تقديم نفسها كجزء من محور أمني في مواجهة خصوم إقليميين، ما يجعلها عرضة لتداعيات الصراع، ويضعها في موقع حساس أمنياً وسياسياً.

غير أن هذا الواقع، بدلاً من أن يدفع نحو مراجعة السياسات الدفاعية وتعزيز الاستقلالية، يُترجم داخلياً عبر تصعيد أمني يستهدف المواطنين، في محاولة لتحويل الأنظار من التحديات الحقيقية إلى “أعداء داخليين” يتم تصنيعهم إعلامياً.

ويرى مراقبون أن هذه المقاربة تعكس عجزاً عن معالجة جذور الأزمة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني، حيث يتم اللجوء إلى الحلول السهلة القائمة على القمع وإعادة إنتاج خطاب التخوين.

كما أن هذا النهج يسهم في إعادة تشكيل المجال العام، بحيث يتم تضييق مساحة التعبير، وتحويل أي نشاط سياسي أو حتى رأي مخالف إلى خطر محتمل، ما يؤدي إلى تآكل الحياة السياسية وغياب التعددية.

في الوقت ذاته، يؤدي هذا التصعيد إلى تعميق الانقسام المجتمعي، من خلال ربط الانتماء الطائفي أو الموقف السياسي بالولاء أو الخيانة، وهو ما يحمل مخاطر طويلة الأمد على النسيج الاجتماعي.

وفي ظل غياب الشفافية والمساءلة، تتراكم الشكوك حول حقيقة هذه القضايا، خاصة مع تكرار السيناريو ذاته في كل مرة، دون تقديم أدلة ملموسة للرأي العام، أو فتح المجال لتحقيقات مستقلة.

 

Exit mobile version