برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة: واشنطن تخلت عن التزامها بحماية البحرين

كشف برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة عن تحوّل خطير في طبيعة العلاقة بين البحرين والولايات المتحدة، حيث تتصاعد داخل المنامة تساؤلات غير مسبوقة حول مدى التزام واشنطن بحماية حليفها الخليجي، في ظل تركيزها الواضح على أمن إسرائيل، ما يضع النظام البحريني أمام أزمة ثقة عميقة تهدد أساس تحالفه الأمني.

وترسم البرقيات التي أوردتها صحيفة بوليتيكو، صورة قاتمة لوضع البحرين خلال الحرب على إيران، إذ تشير بوضوح إلى أن الرأي العام بات ينظر إلى الوجود العسكري الأمريكي ليس كضمانة أمنية، بل كعبء استراتيجي حوّل البلاد إلى هدف مباشر للهجمات الإيرانية.

ويعكس هذا التحول في الإدراك الشعبي فشلاً مزدوجاً: فشل أمريكي في طمأنة حلفائه، وفشل بحريني في إدارة روايته الداخلية.

وتعتمد البحرين بشكل شبه كامل على المظلة الأمنية الأمريكية، إذ تستضيف مقر الأسطول الخامس، ما يجعلها من أكثر الدول ارتباطاً بالاستراتيجية العسكرية لواشنطن في المنطقة.

غير أن البرقيات تكشف أن هذا الارتباط لم يترجم إلى حماية فعلية خلال لحظة اختبار حقيقية، بل على العكس، بدا وكأن البحرين تُركت في مواجهة مباشرة مع تداعيات الحرب.

ويتجاوز هذا الإخفاق البعد العسكري ليصل إلى أزمة في إدارة الخطاب الإعلامي، حيث تشير البرقيات إلى أن الحكومة البحرينية تعمّدت تقليص الإشارة إلى الدور الأمريكي في الدفاع عن البلاد، في محاولة مكشوفة لاحتواء الغضب الشعبي.

لكن هذه الاستراتيجية لم تُخفِ الحقيقة، بل كشفت حجم التناقض بين الواقع الميداني والرواية الرسمية.

وتعكس هذه المقاربة الإعلامية طبيعة النظام السياسي في البحرين، الذي يعتمد على التحكم في وسائل الإعلام أكثر من اعتماده على بناء ثقة حقيقية مع المجتمع. غير أن الحرب كشفت حدود هذا النموذج، حيث لم يعد بالإمكان احتواء الروايات البديلة، خاصة مع تصاعد التأثير الرقمي وتعدد مصادر المعلومات.

وتُظهر البرقيات أن الفراغ في الرسائل الأمريكية سمح لجهات أخرى، خاصة الموالية لإيران، بملء الساحة الإعلامية بروايات مضادة، ما أدى إلى تآكل صورة الولايات المتحدة داخل البحرين، وبالتالي تآكل شرعية التحالف نفسه.

ويضع هذا التطور النظام البحريني في مأزق، إذ يجد نفسه مرتبطاً بحليف تتراجع صورته داخلياً دون أن يمتلك بدائل حقيقية.

وتزداد خطورة هذا الوضع مع تصاعد التساؤلات الشعبية حول جدوى استضافة القوات الأمريكية، حيث بات يُنظر إليها كعامل تهديد بدلاً من عامل استقرار ما يمثل تحدياً وجودياً للسلطة، التي بنت جزءاً كبيراً من استراتيجيتها على هذا التحالف.

وتكشف البرقيات أيضاً عن خلل عميق في التنسيق بين البحرين والولايات المتحدة، حيث لم تتمكن واشنطن من إيصال رسائلها بشكل فعال، في حين فشلت المنامة في توظيف الدعم الأمريكي لتعزيز موقعها الداخلي وهو ما يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الطرفين.

في المقابل، برزت قوى دولية أخرى، مثل المملكة المتحدة، بشكل أكثر فاعلية في الفضاء الإعلامي، ما خلق انطباعاً بأن بريطانيا أكثر حضوراً وتأثيراً من الولايات المتحدة في دعم البحرين، رغم الفارق الكبير في القدرات العسكرية.

ولا يمكن فصل هذه التطورات عن طبيعة النظام السياسي في البحرين، الذي يفتقر إلى قاعدة شعبية متماسكة، ويعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي لضمان استقراره. ومع تراجع الثقة في هذا الدعم، تتكشف هشاشة هذا النموذج بشكل غير مسبوق.

وتضع هذه المعطيات البحرين أمام معادلة صعبة: الاستمرار في الارتهان الكامل للولايات المتحدة رغم تراجع موثوقيتها، أو البحث عن توازنات جديدة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد. غير أن الخيارات تبدو محدودة، في ظل غياب استقلالية القرار السياسي.

وتعكس الأزمة الحالية فشلاً استراتيجياً للبحرين في قراءة التحولات الدولية، حيث استمرت في الاعتماد على تحالف تقليدي دون تطوير أدواتها الذاتية، ما جعلها عرضة للارتدادات المباشرة لأي صراع إقليمي.

وتشير البرقيات إلى أن الخطر لا يكمن فقط في الهجمات العسكرية، بل في تآكل الثقة بين الدولة والمجتمع، وهو ما قد تكون له تداعيات طويلة الأمد تتجاوز الحرب الحالية.

وتكشف هذه الأزمة أن البحرين ليست مجرد ضحية لصراع إقليمي، بل طرف ساهم في تعميق هشاشته عبر سياسات قائمة على الارتهان الخارجي وإدارة داخلية ضعيفة. ومع استمرار هذه المعادلة، تبدو البلاد أمام مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد بالإمكان إخفاء التصدعات التي كشفتها الحرب.

Exit mobile version