تقرير أوروبي حديث يعيد ملف حقوق الإنسان في البحرين إلى الواجهة: القيود مستمرة والوعود بلا تغيير

كشف حوار حقوق الإنسان التاسع بين الاتحاد الأوروبي والبحرين، الذي عُقد في بروكسل قبل أيام، عن صورة قاتمة لأوضاع الحقوق والحريات في المملكة، مؤكداً أن الخطاب الرسمي البحريني عن “الإصلاح” لا يزال بعيدًا عن إحداث تغيير فعلي على الأرض، في ظل استمرار القيود السياسية والمدنية، وتجاهل المطالب الدولية الجوهرية.

وبحسب البيان الصادر عن الاتحاد الأوروبي عقب الحوار، أعربت المؤسسات الأوروبية عن قلق واضح إزاء استمرار التضييق على حرية التعبير والتجمع السلمي، واستمرار ملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان والمعارضين السياسيين، في وقت تحاول فيه السلطات البحرينية تسويق صورة إصلاحية ترتكز على مبادرات جزئية لا تمس جوهر الأزمة الحقوقية.

وقد بدا الحوار، الذي يُفترض أن يكون منصة لتقريب وجهات النظر وتحسين السجل الحقوقي، أقرب إلى جلسة مساءلة غير معلنة، حيث شدد الجانب الأوروبي على ضرورة مواءمة السياسات البحرينية مع التزاماتها الدولية، لا سيما في ما يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، وحماية النشطاء، وضمان بيئة آمنة للعمل الحقوقي والإعلامي.

ورغم تركيز الوفد البحريني على ملفات مثل حقوق المرأة، وحقوق الطفل، ومكافحة الاتجار بالبشر، وحرية الدين أو المعتقد، إلا أن هذه المحاور بدت، في نظر مراقبين، محاولة للهروب من القضايا الأكثر حساسية، وعلى رأسها حرية الرأي، وملف السجناء السياسيين، وغياب التعددية السياسية الحقيقية.

فالبيان الأوروبي لم يتضمن إشادة بإصلاحات بنيوية، بل ركز على “الحاجة المستمرة” لاتخاذ خطوات ملموسة، وهو تعبير دبلوماسي يعكس عدم الرضا عن الواقع القائم.

ويشير مراقبون إلى أن توقيت هذا التقرير الأوروبي بالغ الدلالة، إذ يأتي بعد سنوات من الانتقادات المتكررة من منظمات حقوقية دولية، وبعد أكثر من عقد على قمع احتجاجات 2011، دون أن تُظهر السلطات البحرينية استعدادًا حقيقيًا لإغلاق هذا الملف عبر إصلاح سياسي شامل أو مصالحة وطنية حقيقية.

كما يتزامن مع استعدادات داخلية لاستحقاقات سياسية قادمة، في ظل غياب أي مؤشرات على توسيع هامش المشاركة أو رفع القيود المفروضة على العمل العام.

واللافت في الحوار الأخير أن الاتحاد الأوروبي دعا صراحة البحرين إلى الانضمام لمعاهدات وآليات دولية أساسية لحقوق الإنسان لم تصادق عليها بعد، ما يعكس فجوة قانونية وسياسية بين الخطاب الرسمي البحريني والالتزامات الدولية المتعارف عليها.

وهذه الدعوة ليست جديدة، لكنها تتكرر دون استجابة واضحة من المنامة، التي تفضل الإبقاء على هامش مناورة قانوني يسمح لها بالتحكم في المشهد الحقوقي داخليًا.

ورغم تأكيد الجانب البحريني استمراره في “الحوار والتعاون”، إلا أن سجل السنوات الماضية يُظهر أن الحوارات الدولية لم تنعكس تحسنًا ملموسًا في أوضاع الحريات، بل غالبًا ما تُستخدم كأداة لتحسين الصورة الخارجية دون المساس بالسياسات الداخلية الأساسية.

وفي هذا السياق، يرى حقوقيون أن استمرار الاعتقالات، وقيود السفر، وسحب الجنسيات سابقًا، وتقييد الفضاء الرقمي، كلها شواهد على أن الأزمة الحقوقية في البحرين لا تزال بنيوية وليست إجرائية.

كما أن غياب أي إشارة في البيان الأوروبي إلى إطلاق سراح سجناء رأي بارزين، أو مراجعة القوانين المقيدة للحريات، يعزز الانطباع بأن البحرين لم تقدم تعهدات جديدة قابلة للقياس، بل اكتفت بإعادة طرح سردية “التحسن التدريجي” التي لم تعد تقنع حتى الشركاء الغربيين التقليديين.

ويعيد التقرير الأوروبي الأخير وضع البحرين تحت المجهر الدولي، ويؤكد أن محاولات طيّ صفحة حقوق الإنسان عبر علاقات دبلوماسية أو تعاون أمني لم تنجح في إخفاء الواقع.

فبين خطاب رسمي يتحدث عن إصلاح، وتقارير دولية ترصد قيودًا مستمرة، يبقى السؤال مفتوحًا: إلى متى ستواصل المنامة إدارة ملف الحقوق كقضية علاقات عامة، لا كأولوية سياسية وقانونية تستدعي تغييرًا حقيقيًا؟

Exit mobile version