يتعمد النظام الخليفي الحاكم في البحرين تكريس القبضة الأمنية على المجتمع عبر حملات واسعة لإظهار الولاء السياسي للعائلة الحاكمة، بالتزامن مع استمرار قضية اعتقال عشرات العلماء الشيعة، واستخدام الأدوات الأمنية والقضائية لتقييد المجال الديني والسياسي في البلاد.
وقد أثارت حملات توقيع وثائق الولاء والتأييد للملك حمد بن سلمان آل خليفة جدلاً واسعاً، بعد توسعها من مبادرات معلنة إلى فعاليات داخل مؤسسات حكومية وخاصة، وإطلاق منصات إلكترونية للتوقيع، وصولاً إلى تنظيم أنشطة مرتبطة بتعزيز مفاهيم الولاء داخل المؤسسات التعليمية.
ويرى مراقبون أن هذه الممارسات تطرح تساؤلات حول حاجة الأنظمة السياسية إلى مظاهر التأييد العلني المتكرر، معتبرين أن الدولة الواثقة من شرعيتها تعتمد على احترام القانون وحرية التعبير، بدلاً من تحويل إعلان الولاء إلى ممارسة جماعية منظمة.
ويشير باحثون في علم الاجتماع السياسي إلى أن السلطات التي تواجه أزمة ثقة مع المجتمع غالباً ما تلجأ إلى إنتاج مشاهد تأييد جماعية بهدف تأكيد صورتها العامة وإظهار الالتفاف الشعبي حولها.
وتربط دراسات حول الأنظمة السلطوية بين الحاجة المستمرة لإظهار الولاء وبين محاولة السيطرة على المجال العام، بحيث لا يقتصر المطلوب من المواطن على الالتزام بالقوانين، بل يمتد إلى إعلان التأييد السياسي بصورة متكررة.
وقد تناولت الفيلسوفة السياسية حنة آرندت في دراساتها حول الأنظمة الشمولية الفرق بين السلطة التي تكتفي بخضوع المواطنين للقانون، وتلك التي تسعى إلى السيطرة على توجهاتهم ومشاعرهم، معتبرة أن الأنظمة الشمولية تبحث عن مواطن يظهر الولاء بصورة دائمة.
كما أشار عالم الاجتماع السياسي خوان لينز إلى أن بعض الأنظمة لا تكتفي بصمت المجتمع، بل تسعى إلى تعبئته باستمرار عبر جعل مظاهر التأييد جزءاً من الحياة العامة.
ويؤكد المراقبون أن حملة الولاء الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياق سياسي أوسع يرتبط بتشديد الرقابة على المجتمع، خاصة مع استمرار قضية اعتقال 41 من علماء الدين الشيعة التي بدأت في مايو الماضي.
وكانت وزارة الداخلية البحرينية قد أعلنت حينها الكشف عن قضية قالت إنها مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني وتمس الأمن الوطني، لكن منتقدين وحقوقيين اعتبروا أن الإجراءات اللاحقة كشفت عن استهداف بيئة دينية كاملة أكثر من كونها ملاحقة لتنظيم أمني محدد.
وبحسب روايات عائلات ومتابعين للقضية، فإن عدداً من العلماء ظلوا محتجزين في ظروف غامضة، وسط شكاوى من منع التواصل مع المحامين والعائلات، وفرض قيود على تسليم المتعلقات الشخصية والأدوية.
وتشير الانتقادات إلى أن القضية طالت شخصيات دينية معروفة بنشاطها في الخطابة والعمل الاجتماعي، وأن التحقيقات ركزت على قضايا مرتبطة بالمجالس الدينية والعلاقات بين العلماء والأموال الشرعية، بدلاً من أدلة جنائية واضحة.
وأثار تعامل الجهات القضائية مع فريق الدفاع انتقادات إضافية، بعدما قال محامون إنهم لم يتمكنوا من حضور مراحل من التحقيق، بينما تحدث آخرون عن تضييق على دور الدفاع في القضية.
ويعتبر ناشطون حقوقيون أن ضمان حق المتهمين في التواصل مع محاميهم وحضور إجراءات التحقيق يمثل أساساً لأي محاكمة عادلة، محذرين من تحويل الملفات السياسية والأمنية إلى إجراءات قضائية تفتقر إلى الشفافية.
كما أثارت طبيعة الأسئلة التي تحدث عنها بعض المتابعين للقضية مخاوف بشأن تحويل الانتماء الديني والممارسات المذهبية إلى محور تحقيق، بعد الحديث عن أسئلة مرتبطة بمفاهيم دينية ومواقع إقامة الصلوات والعلاقات بين رجال الدين.
ويرى المراقبون أن ذلك يعكس توجهاً خطيراً نحو التعامل مع النشاط الديني الشيعي باعتباره ملفاً أمنياً، بما يشمل المجالس والخطابة والعلاقات الاجتماعية والمساعدات المالية.
كما أثارت عمليات مصادرة أموال ومقتنيات من منازل بعض المعتقلين جدلاً، وسط اتهامات بعدم التمييز بين ممتلكات شخصية وعائلية وبين الأموال محل التحقيق.
وتقول جهات معارضة إن القضية تعكس توجهاً أوسع لتقييد المجال الديني الشيعي في البحرين، عبر ربط أنشطة دينية تقليدية باتهامات أمنية، بما يخلق حالة من الخوف داخل المجتمع.
في المقابل، تؤكد السلطات البحرينية عادة أن إجراءاتها الأمنية تأتي في إطار حماية الأمن الوطني ومواجهة أي نشاط مخالف للقانون.
لكن المراقبين يعتبرون أن الجمع بين حملات الولاء السياسي الجماعية وقضايا الاعتقال الواسعة يعكس تصاعد الاعتماد على أدوات السيطرة والضغط بدلاً من معالجة أسباب الانقسام الداخلي.
