العقاب الجماعي في البحرين.. حين لا تنتهي العقوبة بخروج الناشط من السجن

تتجاوز آثار العقوبات السياسية في البحرين جدران السجون، لتطال العمل والرزق والحقوق المدنية والحياة اليومية للنشطاء والمعارضين والمفرج عنهم، في نهج تصفه منظمات حقوقية بأنه شكل من أشكال العقاب الجماعي والقمع الممتد الذي يبقي آثار العقوبة قائمة حتى بعد انتهاء فترة الاحتجاز.

وتقدم قضية المواطن البحريني محمد عبد الله السنكيس مثالاً صارخاً على هذا النمط. فقد أُفرج عنه في 8 أبريل/نيسان 2024 بعد أن أمضى 11 عاماً في السجن، وفق تقرير حديث لمنظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين.

وكان السنكيس موظفاً سابقاً في وزارة الأشغال العامة، وأُوقف عن عمله مع انطلاق احتجاجات عام 2011 بسبب مشاركته في المظاهرات، قبل أن يُحكم عليه لاحقاً بالسجن 13 عاماً ونصف العام على خلفية اتهامات مرتبطة بمشاركته السياسية.

وواجه السنكيس بعد خروجه مشكلة عدم استعادته وظيفته السابقة، فضلاً عن عدم حصوله على تعويض عن السنوات التي قضاها خلف القضبان.

عقب ذلك بدأ السنكيس اعتصاماً فردياً للمطالبة بحقه في العمل، واستمر في احتجاجه السلمي أمام الجهات الحكومية، في محاولة لاستعادة مصدر رزقه وحياته المهنية.

وقد تحولت المطالبة بالعودة إلى العمل إلى مواجهة جديدة مع السلطات. وأفادت مصادر حقوقية بأن السنكيس واصل اعتصامه أمام وزارة الأشغال خلال عام 2025، قبل أن يتعرض للاعتقال عدة مرات بسبب احتجاجه السلمي.

وفي 16 يوليو/تموز 2025، اعتقلته الأجهزة الأمنية بعد مواصلته الاعتصام للمطالبة بإعادته إلى وظيفته السابقة.

وتكشف هذه الوقائع مفارقة قاسية؛ فالمواطن الذي قضى أكثر من عقد خلف القضبان خرج ليطالب بحقه في العمل، فانتهى به الأمر مرة أخرى إلى الاحتجاز بسبب احتجاجه على حرمانه من هذا الحق.

وتثير قضية السنكيس سؤالاً أوسع بشأن مصير المفرج عنهم في البحرين، وما إذا كانت العقوبة السياسية تتوقف فعلاً عند لحظة الإفراج، أم تنتقل إلى شكل آخر من القيود الاقتصادية والاجتماعية والإدارية.

وتقول منظمات حقوقية إن استمرار حرمان المفرج عنهم من الوظائف والحقوق المدنية يمكن أن يحول الإفراج إلى مرحلة جديدة من العقاب غير المعلن.

ويشير تقرير منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين إلى أن قضية السنكيس تأتي ضمن سياق أوسع شهد اعتقالات لاحتجاجات ذات مطالب اجتماعية واقتصادية.

وذكر التقرير أن مجموعة من الشبان العاطلين عن العمل تعرضت للاعتقال بعد تنظيم اعتصام أمام جهاز الخدمة المدنية في فبراير/شباط 2026 للمطالبة بفرص عمل، رغم تأكيد المشاركين أن احتجاجهم كان سلمياً ومخصصاً للمطالبة بالعمل.

وتتسع الصورة عند النظر إلى تعامل السلطات البحرينية مع الاحتجاجات والتعبير السياسي خلال السنوات الماضية.

فقد وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار القيود على حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، إلى جانب استمرار احتجاز معارضين ونشطاء بسبب مشاركتهم في احتجاجات 2011 أو أنشطة سياسية لاحقة.

كما وثقت المنظمة ملفات بشأن التعذيب وسوء المعاملة وحرمان بعض المعتقلين من الرعاية الطبية، مع استمرار غياب المساءلة عن الانتهاكات.

وسجلت منظمة العفو الدولية بدورها استمرار الاعتقالات والمحاكمات المرتبطة بالتعبير السياسي والتجمع السلمي، رغم الإفراج عن آلاف السجناء ضمن عفو ملكي خلال عام 2024.

وأشارت المنظمة إلى استمرار احتجاز شخصيات بارزة على خلفية احتجاجات 2011، معتبرة أن القيود على المجال السياسي والمدني ما زالت قائمة.

ولا تتوقف آثار القمع عند المعتقل نفسه، إذ يمكن أن تمتد إلى أسرته ومصدر دخله ومستقبله المهني.

وفي حالة السنكيس، تحولت الوظيفة إلى عنوان لمعركة تتجاوز الراتب؛ فبعد سنوات السجن، أصبح استعادة العمل محاولة لاستعادة موقع طبيعي في المجتمع، وتأمين مصدر دخل، واستعادة الإحساس بالمواطنة الكاملة.

وتضاعف هذه المسألة أهمية الحديث عن المؤسسات الرسمية المعنية بالحقوق والتظلمات. فوجود مؤسسات تحمل مسؤوليات حقوقية لا يكتسب قيمته من وجودها القانوني فقط، وإنما من قدرتها على التعامل المستقل والفعال مع شكاوى المواطنين والتحقيق في ادعاءات الانتهاك وضمان المساءلة.

وعندما لا يجد المواطن، بعد خروجه من السجن، طريقاً واضحاً لاستعادة حقوقه، ثم يواجه الاحتجاز بسبب احتجاجه للمطالبة بها، فإن السؤال ينتقل من قضية فردية إلى مدى فعالية منظومة الحماية بأكملها.

وتبرز هنا خطورة العقاب الممتد؛ فالعقوبة التي تبدأ بالسجن يمكن أن تستمر في صورة حرمان من الوظيفة أو تضييق على الاحتجاج أو قيود اجتماعية ومدنية، بما يجعل الإفراج خطوة شكلية إذا بقيت تبعات العقوبة السياسية ماثلة في حياة المواطن.

Exit mobile version