ملاحقة المعفو عنهم في البحرين تفضح استمرار الانتهاكات وتحول العفو لأداة ابتزاز

قال منتدى البحرين لحقوق الإنسان إن السلطات البحرينية تتعمد الالتفاف على قرارات العفو الملكي الصادرة عام 2024، عبر إعادة ملاحقة واستدعاء عدد من سجناء الرأي السابقين وإجبارهم على دفع غرامات مالية باهظة تحت طائلة العودة إلى السجن.

وأكد المنتدى الحقوقي في بيان له اطلع “بحريني ليكس” على نسخة منه، أن هذه الإجراءات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون المحلي والالتزامات الدولية التي تعهدت بها البحرين، وتكشف استمرار سياسة التضييق على المعارضين حتى بعد الإفراج عنهم.

وقال المنتدى إنه تابع الإجراءات الأخيرة التي استهدفت عدداً من المواطنين البحرينيين الذين سبق أن شملهم العفو الملكي الخاص عام 2024، ضمن دفعتين منفصلتين صدرتا في أبريل/نيسان وسبتمبر/أيلول، وشملتا الإفراج عن 611 سجين رأي.

ومن بين هؤلاء معتقلون في قضية “أحداث سجن جو” عام 2015، والتي تضمن قرار العفو إسقاط ما تبقى من العقوبات السالبة للحرية، إضافة إلى إسقاط الغرامة المالية التي كانت قد فرضت سابقاً على 57 معتقلاً بشكل مشترك، وتبلغ قيمتها الإجمالية نصف مليون دينار بحريني.

وأكد المنتدى أن السلطات البحرينية عادت، بعد نحو عامين من صدور قراري العفو، إلى استدعاء وملاحقة عدد من المفرج عنهم في القضية ذاتها، مطالبة كل واحد منهم بدفع حصته من الغرامة المالية التي تزيد على 8700 دينار بحريني، أي ما يتجاوز 23 ألف دولار أمريكي، مع تهديدهم بالسجن لمدة ستة أشهر في حال الامتناع عن السداد.

واعتبر المنتدى أن هذه الخطوة تُفرغ العفو الملكي من مضمونه القانوني، وتحوله إلى إجراء شكلي لا يوفر الحماية القانونية للمشمولين به، في وقت تستمر فيه الأجهزة الأمنية باستخدام الاعتقال والتهديد بالحبس وسيلة للضغط المالي والأمني على سجناء الرأي السابقين.

ووثق المنتدى سلسلة من الوقائع التي قال إنها تعكس هذا النهج، مشيراً إلى أن الأجهزة الأمنية اعتقلت المواطن عبدالله حسن سلمان العنيسي في الرابع من يونيو/حزيران الماضي، قبل الإفراج عنه بعد أربعة أيام فقط، إثر دفعه حصته من الغرامة المالية المطلوبة.

وأضاف أن الأجهزة الأمنية اتصلت، في السابع من يونيو/حزيران، بعدد من المعتقلين السابقين، وطالبتهم بمراجعة قاضي تنفيذ العقاب خلال أسبوع من أجل التوصل إلى تسوية مالية بشأن الغرامة، مع تهديدهم بإعادة اعتقالهم إذا لم يلتزموا بذلك.

كما أشار البيان إلى اعتقال المواطن أيمن عباس سلمان إسماعيل في اليوم نفسه، مؤكداً أنه ظل محتجزاً حتى تاريخ صدور البيان، في حين اعتقلت السلطات البحرينية المواطن حسن فردان عبدالكريم في الحادي والعشرين من يونيو/حزيران، قبل أن تفرج عنه بعد أربعة أيام إثر دفع جزء من الغرامة المالية.

ورأى المنتدى أن هذه الوقائع تؤكد استمرار اعتماد السلطات البحرينية على سياسة إعادة تدوير العقوبات بحق المعارضين وسجناء الرأي، حتى بعد صدور قرارات عفو رسمية يفترض أن تنهي جميع الآثار القانونية للأحكام السابقة.

وشدد المنتدى على أن هذه الإجراءات تمثل مخالفة صريحة للمادة الأولى من قرار العفو الملكي رقم (28)، التي تنص بوضوح على إسقاط ما تبقى من العقوبات السالبة للحرية وعقوبات الغرامة المالية المحكوم بها، معتبراً أن إعادة مطالبة المشمولين بالعفو بدفع الغرامات تتعارض مع النص القانوني الذي استند إليه الإفراج عنهم.

وأضاف أن إعادة توقيف الأشخاص أو تهديدهم بالسجن استناداً إلى القضايا التي شملها العفو يندرج ضمن مفهوم “الاحتجاز التعسفي”، الذي تحظره المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي صادقت عليه البحرين، مؤكداً أن استمرار هذه الممارسات يثير تساؤلات بشأن مدى التزام السلطات البحرينية بتعهداتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.

كما اعتبر المنتدى أن إعادة فرض العقوبات المالية أو التهديد بعقوبات بديلة تمثل خرقاً لمبدأ قانوني راسخ يقضي بعدم جواز معاقبة الشخص مرتين على الفعل ذاته، وهو المبدأ الذي تكفله الفقرة السابعة من المادة الرابعة عشرة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، ويهدف إلى حماية الأفراد من إعادة ملاحقتهم بعد تنفيذ العقوبة أو شمولهم بالعفو.

وأكد البيان أن محاولة إعادة تحصيل الغرامات تحت مسميات مختلفة، مثل “العقوبات البديلة” أو “الديون والتعويضات المدنية للحكومة”، لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها التفافاً على المرسوم الملكي، وصورة من صور العقوبة المزدوجة التي تتعارض مع المعايير الدولية للعدالة وسيادة القانون.

ورأى المنتدى أن استمرار هذه السياسة يعكس غياب الضمانات القانونية الفعلية للمفرج عنهم، ويكرس حالة من انعدام الأمن القانوني، إذ يبقى سجناء الرأي السابقون مهددين بالعودة إلى السجن في أي وقت، رغم صدور قرارات عفو يفترض أن تكون نهائية وملزمة لجميع مؤسسات الدولة.

وطالب المنتدى السلطات البحرينية بوقف جميع عمليات الاستدعاء والملاحقة بحق المشمولين بقراري العفو، واحترام الأثر القانوني الكامل للمرسومين، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع سجناء الرأي، مع جبر الأضرار المادية والمعنوية التي لحقت بهم نتيجة الاعتقال والانتهاكات اللاحقة.

كما دعا إلى إلغاء جميع القرارات والإجراءات المتعلقة بتحصيل الغرامات المالية من المعفو عنهم، وخاصة تلك التي تُبرر باعتبارها تعويضات عن أحداث سجن جو عام 2015، وضمان عدم تكرار هذه الممارسات، والكف عن استخدام التهديد بالحبس كوسيلة للضغط المالي أو الأمني على المفرج عنهم.

وختم المنتدى بيانه بالتأكيد على أن استمرار هذه الانتهاكات يعكس سياسة قائمة على الإفلات من العقاب والتنصل من المساءلة، الأمر الذي يسمح بتكرار الخروقات القانونية بحق سجناء الرأي والمعارضين، ويقوض أي حديث رسمي عن إصلاحات أو تحسينات في سجل حقوق الإنسان في البحرين.

Exit mobile version