تتدحرج أزمة البطالة في البحرين ككرة ثلج تكبر يومًا بعد يوم، وسط عجز رسمي عن تقديم حلول جذرية، وتمسّك السلطة بمقاربة أمنية وقمعية في التعامل مع العاطلين عن العمل، بدل الاستجابة لمطالبهم المشروعة في الحصول على وظيفة تحفظ الكرامة الإنسانية وتوفّر الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي.
وخلال الأيام الماضية، شهد محيط وزارة العمل تظاهرات سلمية لمجموعات من العاطلين عن العمل، عبّروا فيها عن غضبهم من استمرار تجاهل قضيتهم، وتفاقم أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن هذه التحركات، بدل أن تدفع الدولة إلى فتح حوار جاد أو طرح سياسات توظيف فاعلة، قوبلت بالملاحقة والتضييق، في مشهد بات مألوفًا في التعامل الرسمي مع أي حراك مطلبي مستقل.
وتمثلت المفارقة الأبرز، بحسب المشاركين في الاعتصام، في تغييب تحرّكهم بالكامل عن وسائل الإعلام المحلية، وكأن ما جرى لم يكن. فلا تغطية صحفية، ولا بيانات رسمية، ولا حضور لأي مسؤول حكومي أو نائب برلماني يدّعي تمثيل هموم المواطنين.
بل ذهب الأمر، وفق المعتصمين، إلى أبعد من ذلك، عبر تسخير أدوات “الذباب الإلكتروني” لمهاجمة المحتجين والتشكيك في دوافعهم ووصم تحركهم بأوصاف جاهزة، في محاولة لتجريدهم من شرعية مطلبهم الأساسي: الحق في العمل.
ويعكس هذا المشهد فجوة عميقة بين ما يطالب به المواطنون من حقوق معيشية واضحة، وبين خطاب رسمي يروّج لأرقام “مطمئنة” وإنجازات اقتصادية لا يلمسها الشارع.
ففي الوقت الذي تتغنّى فيه الدولة بإجراءات رفع الدعم وتصفها بالإصلاحات، يواصل المواطنون خوض معركة يومية لتأمين أبسط مقومات الحياة، في ظل غلاء معيشة متصاعد وتراجع فرص العمل.
ولا يطالب العاطلون عن العمل في البحرين بمكاسب استثنائية، بل بحق دستوري كفله القانون، يتمثل في الحصول على فرص عمل حقيقية برواتب عادلة تتناسب مع تكاليف الحياة.
كما يطالبون بسياسات توظيف شفافة تضع المواطن في صدارة الأولويات، بدل استمرار الاعتماد الواسع على العمالة الأجنبية في مختلف القطاعات.
والبطالة في البحرين تحولت إلى واقع يعيشه آلاف المواطنين، كثيرون منهم من حملة الشهادات الجامعية والعليا.
ووفق آخر إعلان رسمي، يبلغ معدل البطالة نحو 6.3%، وهو رقم يُعد مرتفعًا نسبيًا قياسًا بعدد المواطنين.
غير أن هذه النسبة، بحسب متابعين، لا تعكس الحجم الحقيقي للأزمة، كونها تستند فقط إلى المسجلين في نظام وزارة العمل، فيما توجد أعداد كبيرة من غير المسجلين، أو ممن فقدوا الأمل في التسجيل بعد سنوات من الانتظار دون جدوى.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أقرّ وزير الشؤون القانونية ووزير العمل بالوكالة آنذاك يوسف خلف، الذي يشغل اليوم حقيبة العمل، بأن نحو 60% من الباحثين عن عمل يحملون مؤهل بكالوريوس فأعلى، مشيرًا إلى أن 28% من إجمالي العاطلين تجاوزت فترة بقائهم على قوائم الانتظار أربع سنوات.
وبحسب مراقبين فإن هذه الأرقام وحدها كفيلة بكشف عمق الأزمة، وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في “عدم رغبة المواطنين في العمل”، كما يُروّج أحيانًا، بل في ضعف قدرة سوق العمل على استيعاب الخريجين.
ومن أبرز ملامح أزمة البطالة في البحرين، بحسب مختصين، الاختلال الواضح في سياسات التوظيف، حيث تُفضَّل العمالة الأجنبية في كثير من الوظائف الأساسية، ما يقلّص فرص المواطنين ويزيد من نسب البطالة بينهم. وتُوجَّه انتقادات متواصلة إلى هذه السياسات، التي يرى فيها المواطنون سببًا مباشرًا لتفاقم الأزمة.
ويخلق هذا التناقض بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي حالة متزايدة من الاحتقان الاجتماعي. فبينما تُعلن السلطات عن معدلات بطالة “معتدلة”، تشير تقارير مستقلة وتحليلات محلية إلى أرقام أعلى وتحديات أعمق، خصوصًا بين فئة الشباب وحملة الشهادات العليا.
ويرى متابعون أن معالجة أزمة البطالة تتطلب أولًا شفافية حقيقية في البيانات، وثانيًا إرادة سياسية لتغيير سياسات التوظيف، وثالثًا برامج تأهيل وتدريب مرتبطة فعليًا بحاجات سوق العمل. كما تتطلب فتح قنوات حوار مع العاطلين بدل ملاحقتهم، واحترام حقهم في التعبير السلمي عن مطالبهم.
وفي ظل غياب هذه المعالجات، تتجه مجموعات من العاطلين إلى التصعيد السلمي، إذ أعلن عدد منهم عبر حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي نيتهم اللجوء إلى الإضراب عن الطعام، في محاولة أخيرة للفت الانتباه إلى قضيتهم. وهو ما ينذر بمزيد من التوتر، في حال واصلت السلطة تجاهل الأزمة والتعامل معها بعقلية أمنية.
وتبقى البطالة في البحرين اختبارًا حقيقيًا لجدية الدولة في حماية الحقوق الاجتماعية لمواطنيها. فإما أن تُقابل صرخة العاطلين بسياسات عادلة وحلول ملموسة، أو أن يستمر الانفصال عن الواقع، وتتدحرج كرة الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
