التعيينات في البحرين.. سلطة لا تترك للمجتمع مساحة لاختيار ممثليه

تثير ظاهرة التعيينات في البحرين تساؤلات متزايدة بشأن اتساع نفوذ السلطة التنفيذية والملكية على مؤسسات الدولة والمجتمع، في مسار يتجاوز حدود التعيينات التقليدية داخل الجهاز الحكومي ليصل تدريجيًا إلى الانتخابات والمؤسسات الأهلية والدينية والاجتماعية.

وتبدو المسألة بحاجة إلى دراسة أوسع لدوافع الحاكم حمد بن عيسى في تكريس قواعد وأصول للحكم يعتبرها منتقدون مختلفة عن النماذج السياسية المعروفة، حيث يتسع نطاق التدخل الرسمي ليشمل مجالات يفترض أن تكون جزءًا من استقلال المجتمع وقدرته على اختيار ممثليه وإدارة مؤسساته.

في البداية، لم يخرج الأمر عن حدود صلاحيات السلطة التقليدية، فالوزراء يُعيّنون، والوكلاء والمدراء في الوزارات يُعيّنون، كما يُعيّن أعضاء مجلس الشورى. وبذلك، تمر مفاصل واسعة من الدولة عبر إرادة التعيين الملكي أو الحكومي المباشر.

لكن هذا النموذج تجاوز حدود الجهاز الرسمي، ليتطور مع الوقت إلى ما يشبه التحكم في اختيار النواب الذين يفترض أنهم يصلون عبر صناديق الاقتراع.

وتتم العملية هذه المرة عبر منظومة أكثر تعقيدًا، تشمل إجراءات انتخابية وقوانين وضوابط وإدارة للعملية الانتخابية، بما يجعل النتائج، في كثير من الحالات، أقرب إلى هندسة مسبقة للمشهد السياسي منها إلى ترك الناخب يقرر بحرية من يمثله، ولا سيما في ظل قوانين العزل وحل الجمعيات السياسية التي تحظى بتأييد شعبي وازن.

وفي أحدث مظاهر هذا المسار، برزت فكرة إعادة العمل بمنصب المختار في البحرين، بعد أن قرر الملك بنفسه هذا التوجه وأعلنه.

وإذا كان المختار يمثل تاريخيًا واحدة من أكثر صور التمثيل المحلي التصاقًا بالناس ومجتمعاتهم، فإن إدخال هذه المساحة أيضًا في دائرة التعيين أو التحكم الإداري يثير تساؤلات بشأن مدى استعداد السلطة لترك حتى التفاصيل الصغيرة في حياة المجتمع خارج نطاق نفوذها.

لكن المخاوف لا تتوقف عند المخاتير. فقد تحدث قرار أخير لوزير العدل عن بدء “تطوير وتوحيد إجراءات التولي على المآتم والأوقاف بما يعزز الحوكمة والشفافية”، وهو ما أثار مخاوف من امتداد منطق الإدارة الرسمية إلى مؤسسات تعد من أكثر المؤسسات ارتباطًا بالمجتمع وموروثه الديني والاجتماعي.

ويتعلق الأمر بالمآتم والحسينيات ومن يتولى إدارتها، وهي مؤسسات نشأت تاريخيًا من المجتمع نفسه وأدارتها العائلات والأهالي باعتبارها مسؤولية اجتماعية ودينية، الأمر الذي يجعل أي تدخل في آليات إدارتها أبعد من مجرد إجراء إداري عادي.

ويمتد هذا التوجه إلى الجمعيات الخيرية التي تعاني منذ سنوات أزمة حقيقية في انتخاب إداراتها.

فالإجراءات المتزايدة التي تفرضها وزارة العدل، وما يرافقها من رفض لأسماء عدد من المترشحين، جعلت الانتخابات في بعض الجمعيات عملية معقدة وشاقة، وأثارت سؤالًا حول ما إذا كانت هذه المؤسسات لا تزال تشهد انتخابات فعلية أم أنها باتت عملية اختيار محدودة بين أسماء توافق عليها السلطة مسبقًا.

ومع استمرار هذا النهج، يبرز تخوف من وصول الأمور إلى مرحلة يصبح فيها مكتب شؤون الجمعيات في وزارة العدل قادرًا عمليًا على تحديد من يدخل المنافسة ومن يبقى خارجها، وبالتالي التأثير بصورة مباشرة في تشكيل مجالس الإدارات.

وهنا تبرز المفارقة، إذ قد يصبح أهالي المنطقة، الذين يفترض أن تمثلهم الجمعية، آخر من يملك حق تحديد من يديرها.

ولا ينفصل هذا المسار عن محاولات سابقة لإدخال اختيار أئمة المساجد والمؤذنين في إطار أكثر إحكامًا من الإدارة الرسمية عبر قانون “كادر الأئمة والمؤذنين”.

ورغم تعثر هذه المحاولات في جوانب مختلفة، فإن مجرد طرحها يكشف عن توجه أوسع لا يقف عند حدود الوزارات أو المؤسسات الحكومية أو المجال السياسي، بل يمتد إلى الفضاء الديني والاجتماعي.

وبجمع هذه التطورات، تظهر صورة متكاملة لمسار متصاعد: الوزراء بالتعيين، وأعضاء مجلس الشورى بالتعيين، والمسؤولون الحكوميون بالتعيين، ثم اتهامات بإدارة الانتخابات النيابية والحد من المنافسة السياسية، وإعادة العمل بمنصب المختار، والتضييق على انتخابات الجمعيات الأهلية، وتنظيم شؤون المآتم والحسينيات، إلى جانب محاولات ضبط اختيار الأئمة والمؤذنين.

ويطرح هذا الواقع سؤالًا أساسيًا: ما المساحة الحرة التي بقيت أمام البحرينيين لاختيار من يمثلهم وإدارة مؤسساتهم؟

ولا تتعلق القضية بشخص يُعيّن وآخر يُرفض، بل بالعقلية التي تقف خلف اتساع نطاق التدخل، وهي عقلية تقوم على عدم ترك المجتمع ليختار بنفسه، وفرض وصاية تحدد من يصلح للتمثيل ومن لا يصلح، ومن يمكنه الترشح ومن يجب أن يبقى خارج المشهد.

ويؤكد مراقبون أن كل مساحة يختار فيها الناس ممثليهم تبدو وكأنها مساحة ينبغي مراقبتها وتنظيمها وضبطها، إلى أن يتحول المجتمع تدريجيًا من طرف فاعل يختار ويدير مؤسساته إلى مجرد متلقٍ لخيارات صيغت في مكان آخر.

وتكتمل المفارقة عندما يصبح التعيين هو القاعدة الممتدة إلى مختلف المجالات: تعيين الوزراء تم، وتعيين أعضاء مجلس الشورى قائم، بينما يظل التحكم بالجمعيات قيد التوسع، والمخاتير على الطريق، والمآتم والحسينيات تحت مظلة إجراءات جديدة.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: إلى أي حد يمكن أن يمتد هذا النهج، وهل ستبقى في البحرين مساحة اجتماعية أو أهلية أو دينية لا تمر خياراتها عبر بوابة السلطة؟

فبعد إحكام القبضة على المجال السياسي، بات الخطر يتمثل في انتقال منطق السيطرة إلى العمل التطوعي والنشاط الأهلي، وصولًا إلى مؤسسة أو جمعية أو مأتم أو “فريج”، في مشهد يختزل أزمة أعمق تتمثل في سلطة تخشى حتى أن يختار المواطنين بعضهم بعضًا.

Exit mobile version