بعد أكثر من قرتين على دخول آل خليفة إلى البحرين، يبدو المشهد السياسي في البلاد أقرب إلى معادلة بقاء مدعومة من الخارج، أكثر منه إلى عقد اجتماعي مستقر يستند إلى رضا شعبي جامع.
فاستمرارية الحكم، وفق معطيات الواقع السياسي، لم تتشكل عبر تداول السلطة أو شرعية انتخابية متجذرة، بل عبر منظومة أمنية محكمة وتحالفات إقليمية ودولية ضامنة، رافقها تفكيك تدريجي للمجال العام.
ومنذ المعاهدات البريطانية في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى استضافة الأسطول الخامس الأميركي اليوم، اعتمدت السلطة في البحرين على مقايضة واضحة: ضمان المصالح الاستراتيجية للقوى الكبرى في الخليج مقابل حماية سياسية وأمنية.
وقد منح هذا التموضع النظام غطاءً دولياً متيناً، خفف من وطأة الانتقادات الحقوقية المتكررة، وجعل أي مطالب داخلية بالإصلاح الديمقراطي تصطدم بسقف التحالفات العسكرية. فالأولوية لدى الحلفاء الدوليين بقيت للاستقرار الأمني وحماية الممرات الحيوية للطاقة، لا لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
في الداخل، برز ملف “التجنيس السياسي” كأحد أكثر الملفات إثارة للجدل. فخلال العقدين الماضيين، مُنحت الجنسية لآلاف الوافدين، كثير منهم من خلفيات عسكرية وأمنية.
وترى قوى معارضة أن الهدف لم يكن سد نقص في العمالة، بل إعادة تشكيل التوازن الديموغرافي وخلق كتلة موالية للنظام تدين له بالامتيازات والوظائف.
وقد عمقت هذه السياسة، بحسب منتقدين، الانقسام الطائفي وأضعفت الهوية الوطنية الجامعة، وحوّلت المجتمع إلى شبكات ولاء متباينة، ما صعّب بناء جبهة إصلاحية موحدة.
اقتصادياً، تتركز مفاصل الثروة في يد الدولة والعائلة الحاكمة، مع حضور قوي لشبكات المصالح المرتبطة بها. الأراضي العامة والمشاريع الكبرى غالباً ما تُدار ضمن دوائر ضيقة، بينما يُتهم النظام باستخدام أدوات التوظيف والترقية كوسائل للضغط أو المكافأة.
ويبرز المعارضون إقصاء سياسيين وناشطين من الوظائف العامة، في مقابل تعزيز موازنات الأجهزة الأمنية. وفي ظل محدودية الموارد النفطية مقارنة بجيرانها، تعتمد البحرين بدرجة كبيرة على الدعم المالي الخليجي، ما يربط استقرارها الاقتصادي بالمنظومة الإقليمية.
وعام 2001 شكّل محطة مفصلية مع طرح ميثاق العمل الوطني، الذي صوّت عليه المواطنون بنسبة كبيرة، أملاً في انتقال البلاد إلى ملكية دستورية بصلاحيات أوسع للبرلمان.
غير أن دستور 2002، الذي صدر لاحقاً، أعاد توزيع الصلاحيات بطريقة أبقت السلطة التنفيذية ممسكة بمفاصل القرار، وفق قراءة المعارضة.
ومع اندلاع احتجاجات 2011 ضمن موجة الربيع العربي، دخلت البلاد مرحلة جديدة اتسمت بتدخل قوات “درع الجزيرة”، وحملة اعتقالات واسعة، وحل جمعيات سياسية بارزة مثل “الوفاق” و”وعد”، ما أدى إلى إغلاق شبه كامل للمجال السياسي العلني.
ورسخ هذا التدخل الخليجي قناعة لدى كثيرين بأن قرار التغيير في البحرين لا يُحسم داخلياً فقط، بل يرتبط بحسابات إقليمية أوسع.
فالبحرين، بحكم موقعها الجغرافي وحساسيتها الطائفية، تُعد جزءاً من منظومة أمنية خليجية ترى في أي تحول سياسي جذري تهديداً لتوازنات المنطقة. وبذلك، أصبح بقاء النظام مرتبطاً ليس فقط بقدرته على ضبط الداخل، بل أيضاً بدعم العواصم الخليجية الكبرى.
في المقابل، تواصل الحكومة التأكيد على أنها تمضي في مسار إصلاحي تدريجي، مشيرة إلى وجود مؤسسات تشريعية منتخبة وبرامج تنموية ومبادرات حوار وطني.
إلا أن منتقديها يرون أن هذه الخطوات لم تفضِ إلى مشاركة سياسية حقيقية أو مساءلة فاعلة، وأن البرلمان المنتخب يفتقر إلى صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة.
اليوم، يقف المشهد البحريني عند مفترق طرق صامت. فمن جهة، هناك استقرار أمني مدعوم بتحالفات قوية وموارد خليجية، ومن جهة أخرى، شعور متراكم لدى قطاعات من المجتمع بأن المجال العام مغلق، وأن العدالة السياسية مؤجلة. هذا التناقض خلق حالة يمكن وصفها بـ”الاستقرار الهش”؛ هدوء في الشارع يقابله احتقان مكتوم.
وعليه لم يعد السؤال عن مدة بقاء حكم آل خليفة، بل عن طبيعة العقد الذي يحكم العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فالتاريخ أظهر أن الاستناد إلى الحماية الخارجية وتصفير السياسة في الداخل قد يوفران وقتاً إضافياً، لكنهما لا يغنيان عن الحاجة إلى تسوية وطنية شاملة تعيد تعريف المشاركة والتمثيل والعدالة. وفي غياب ذلك، يبقى الاستقرار مرهوناً بتوازنات دقيقة، قد تصمد… لكنها تظل قابلة للاهتزاز.
