الصحافة في البحرين من رقيب إلى ناقل للبيانات الرسمية ومناشدات الأفراد

خلصت رابطة الصحافة البحرينية، في فحص لأعداد صحف «أخبار الخليج» و«الأيام» و«البلاد» و«الوطن» الصادرة الخميس 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إلى أن الصحافة في البحرين تراجعت من أداء دور رقيب على السلطات الحكومية إلى ناقل للبيانات الرسمية ومناشدات الأفراد، مع غياب شبه كامل لأي نقد سياسي مباشر أو مساءلة لأداء مؤسسات الدولة.

وأظهر الفحص تفاوتاً واضحاً بين حضور القضايا الخدمية وغياب المواد التي تتضمن نقداً سياسياً. ولم تتجاوز المواد التي أمكن تصنيفها بوصفها نقداً صريحاً أو ضمنياً لسياسات الدولة وخدماتها ست مواد فقط؛ تناولت خمس منها مسائل خدمية وحماية اجتماعية، فيما استرجعت مادة واحدة قصوراً حكومياً في مرحلة سابقة.

ولم تظهر في الأعداد الأربعة أي مادة تنتقد سياسات الدولة أو الحقوق السياسية أو أداء المؤسسات الدستورية والتنفيذية والتشريعية من زاوية المساءلة السياسية. وبينما لا يمثل فحص عدد واحد من كل صحيفة حكماً شاملاً على المشهد الصحفي، فإنه يقدم مؤشراً على حدود النقد المتاح في المجال العام.

في صحيفة «أخبار الخليج»، رُصدت مادتان ضمن النقد الخدمي، من دون أي مادة تتضمن نقداً سياسياً أو مساءلة مباشرة للحكومة. تناولت زاوية «كهرباء» أعباء فواتير الكهرباء والماء، ولا سيما ما تواجهه بعض الأسر، في سياق مقترح نيابي لإعادة العمل بالتعرفة السابقة. وقدمت المادة القضية بصيغة مطلبية، مع إبراز تحرك السلطتين التشريعية والتنفيذية لمعالجتها، من دون توجيه اتهام مباشر إلى الحكومة.

أما زاوية علي الباشا «صندوق للرياضيين»، فلفتت إلى أن بعض الرياضيين لا تشملهم مظلات التأمين الحكومية أو الخاصة، وأن اتحادات وأندية رياضية قد لا تملك القدرة المالية على توفير التغطية، ما يدفع بعض المصابين إلى تحمل تكاليف العلاج بأنفسهم. ودعا الكاتب إلى إنشاء صندوق يوفر تغطية علاجية ومعيشية.

وفي صحيفة «الأيام»، رُصدت أربع مواد ذات صلة؛ ثلاث منها خدمية وواحدة تتضمن إشارة إلى قصور حكومي سابق. ففي صفحة «الملتقى»، التي تشبه بريد القراء، يناشد متقاعد من وزارة التربية توظيف بناته الثلاث الحاصلات على شهادات جامعية، بعد سنوات من انتظار فرص عمل مناسبة.

كما يطالب أولياء أمور طلبة الثانوية بنظام «المنازل» بإتاحة دور ثالث للامتحانات للطلبة الذين حالت ظروف صحية أو خارجة عن إرادتهم دون استكمال متطلبات النجاح.

وتنقل المادتان مطلبين مباشرين إلى الجهات المختصة، لكنهما تظلان رسالتين فرديتين، ولا تقدمان تحقيقاً يحدد حجم المشكلتين أو أسباب استمرارهما. كما دعت وجيهة المير، في مقال «حين يطول العمر… تتسع الحياة»، إلى مواءمة الرعاية الصحية والاجتماعية والسكن والمواصلات مع احتياجات كبار السن، وضمان استمرار مشاركتهم واستقلالهم، من دون توجيه اتهام محدد إلى الحكومة.

أما المادة الرابعة، «صوت وقانون! حين أصبح للضحايا»، فتستعيد قضايا اتجار بالبشر واجهتها الكاتبة في بدايات الألفية، وتشير إلى غياب مأوى متخصص ونظام إحالة وقانون خاص لمكافحة الاتجار بالأشخاص في ذلك الوقت. وتعرض المادة هذا القصور باعتباره مرحلة تجاوزتها البحرين عبر إنشاء مؤسسات وتشريعات لاحقة، ولذلك لا تقدم نقداً مباشراً للسياسات الحالية.

وفي صحيفة «البلاد»، لم تُرصد مادة تنتقد الدولة أو أداء الحكومة ضمن الفئات الثلاث. غير أن صفحة الرأي تضمنت مقال مرتضى بن حسن «ظاهرة شيطنة الدولة والإنجازات الوطنية»، الذي يهاجم ما يصفه بتشويه الإنجازات الرسمية والتشكيك فيها وهو ما يعكس لغة تحيط بالنقد في المجال العام، إذ يصور بعض الاعتراضات على المشاريع والإنجازات بوصفها «شيطنة» للدولة.

أما صحيفة «الوطن»، فلم تنشر مادة تنتقد الدولة مباشرة. وتناول مقال هيفاء عدوان «سمو ولي العهد رئيس الوزراء… اهتمام يلامس حياة المواطن» تفاوت فواتير الكهرباء والماء والضغط الذي تسببه على ميزانيات الأسر، لكنه قدم التسجيل بأثر رجعي في نظام الفاتورة الثابتة بوصفه استجابة حكومية لتخفيف العبء.

وأقر المقال بوجود مشكلة معيشية، من دون فحص أسبابها أو تقييم سياسة التسعير، مركزاً على الإجراء الرسمي لمعالجتها.

وتشير رابطة الصحافة البحرينية إلى أن نقل الشكاوى لا يعادل مساءلة الجهة المسؤولة. فلم تظهر في المواد المرصودة متابعة لمعرفة ما إذا استجابت الوزارات للمناشدات، أو تحقيقات تختبر أسباب تعثر الطلبة، أو أعباء الفواتير، أو ضعف التغطية التأمينية. وحين تتوقف المادة عند عرض الطلب، يتحول دور الصحافة إلى صندوق لتلقي المناشدات، بدلاً من جهة تحقق في أسباب المشكلة وتطالب بتفسير أو حل قابل للقياس.

وتحذر الرابطة من أن الصحافة تفقد صفة الرقيب عندما لا تنتقل من نقل الوقائع والتصريحات إلى التحقق والمقارنة والمساءلة، وتفقد صفة الوسيط بين الدولة والمجتمع عندما لا تحول شكاوى الأفراد إلى أسئلة عامة ولا تتابع رد المؤسسات عليها.

وأكدت أن أعداد يوم واحد لا تكفي لإثبات فقدان الصحافة دورها الرقابي بالكامل، لكنها تكشف غياباً لافتاً للنقد السياسي والمساءلة الحكومية الراهنة، مقابل حضور محدود لنقد خدمي يظهر غالباً في صيغة مناشدات أو مقترحات. وإذا تكرر هذا النمط في رصد أوسع، فسيكون مؤشراً أقوى على تراجع الرقابة الصحفية وتحول الصحافة من رقيب ووسيط بين المجتمع والدولة إلى ناقل للبيانات الرسمية ومناشدات الأفراد.

Exit mobile version