تواصل حكومة البحرين تجريم حرية الرأي والتعبير والحريات الصحافية، وعمل المعارضة وقطاعًا عريضًا من مؤسسات المجتمع المدني، عبر قوانين تنتهك التزامات البحرين الدولية في مجال حقوق الإنسان، وذلك من خلال فرض قيود مشددة على ملكية وسائل الإعلام، والاعتقال التعسفي لكل من يُعبّر عن آرائه بصورة سلمية عبر الإنترنت أو في التجمعات السلمية.
وقال بيان مشترك صادر عن تسع منظمات حقوقية، تلقى “بحريني ليكس” نسخة منه، إن القمع المستمر في البحرين أسفر عن خنق الإعلام والتعبير الإلكتروني، وتقييد حقوق الناس في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات تقييدًا صارمًا.
وأكدت المنظمات أنه يتعين على الحكومة البحرينية الإسراع في تعديل قوانين ملكية وسائل الإعلام والقوانين المتعلقة بالتعبير، وذلك وفاءً بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان.
وبحسب المنظمات، تكشف تصرفات السلطات البحرينية عن رفضها للدور المحوري الذي تؤديه وسائل الإعلام الحرة والمستقلة والتعددية في بناء السلام والأمن الدائمين.
إذ تحتكر الحكومة جميع وسائل البث الإعلامي الوطنية المرئية والمسموعة، فيما يُدير أبرز الصحف الخاصة أشخاص ذوو صلات وثيقة بالحكومة، ما يحول دون وجود أي وسائل إعلام مستقلة قادرة على العمل في البحرين.
وعلاوة على ذلك، أغلقت حكومة البحرين في عام 2017 صحيفة «الوسط»، التي كانت الجريدة المستقلة الوحيدة في البلاد.
وتُجرّم التشريعات القمعية التعبير السلمي في البحرين. ففي 30 أكتوبر 2025، أصدر الملك قانون الصحافة والإعلام الإلكتروني رقم (41) لسنة 2025، والذي يمثل تراجعًا خطيرًا عن الالتزامات الدستورية والدولية لحرية الرأي والتعبير والحريات الصحافية، ويوسّع الرقابة المسبقة والإجراءات الإدارية العقابية لتشمل الإعلام الرقمي، مع إبقاء أبواب الملاحقة الجنائية مفتوحة عبر التشريعات الأخرى، وفي مقدمتها قانون العقوبات وقانون الإرهاب.
ويُعد هذا القانون انتكاسة لتعارضه الصارخ مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 19)، الذي تُعد البحرين دولة طرفًا فيه، والذي يشترط أن تكون القيود على حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة محددة بدقة، وضرورية، ومتناسبة مع غاية مشروعة.
وتكشف القراءة المعمقة للنصوص المقترحة، ومقارنتها بالتشريعات النافذة، أن هذه التعديلات لا تقدم أي انفراجة حقيقية في مجال الحريات، بل تعزز من أدوات الدولة لإحكام السيطرة على الفضاءين الإعلامي والإلكتروني، وتُبقي الصحافيين والمؤسسات الإعلامية تحت تهديد دائم بالمحاكمات والإغلاق الإداري.
ورغم حذف عقوبة الحبس المباشر من مواد قانون الصحافة الجديد، يُبقي القانون الإحالة العامة إلى “أي عقوبة أشد في قوانين أخرى”، بما يسمح بمحاكمة الصحفيين ونشطاء الإنترنت بموجب قانون العقوبات أو غيره، وهو ما يفتح الباب أمام عقوبات سجنية مغلظة.
وعليه، يصبح “إلغاء الحبس” مجرد إجراء شكلي موجه للمجتمع الدولي لتجميل صورة البحرين الحقوقية، فيما الواقع لا يزال كما هو: الصحفيون عرضة للسجن تحت غطاء قوانين أخرى.
وتعمد السلطات البحرينية إلى تقييد الوصول إلى وسائل الإعلام عبر حجب المواقع وإزالة أشكال متنوعة من المحتوى المنشور على الإنترنت، ولا سيما منشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي تنتقد الحكومة.
ونادرًا ما يحظى الصحفيون الأجانب بإذن الدخول إلى البحرين، ويواجهون صعوبات في الحصول على تأشيرات، وحتى حين يُتاح لهم ذلك، فإن حرية تعبيرهم تبقى مقيّدة.
وصنّفت مراسلون بلا حدود البحرين في المرتبة 157 من أصل 180 دولة ضمن مؤشر حرية الصحافة العالمي لعام 2025. كما منحت فريدوم هاوس البحرين في العام ذاته تقييم 12 من 100 في مؤشر “الحرية العالمية”، و30 من 100 في مؤشر “حرية الإنترنت”، وصنّفتها ضمن الدول “غير الحرة”.
إلى ذلك، أبرزت المنظمات الحقوقية أن البيئة الإعلامية القمعية في البحرين تُفاقم الانقسامات الاجتماعية والطائفية في ظل النزاعات.
وبين أواخر فبراير وأبريل 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات على إيران، وطالت ردود الفعل الإيرانية عدة دول، من بينها البحرين.
وأفادت وكالة أنباء البحرين الرسمية بأنه حتى 19 مارس 2026، قُتل شخصان على الأقل وأُصيب ما لا يقل عن 46 آخرين داخل البلاد.
وفي ظل القيود الإعلامية المفروضة مسبقًا، والتي تُلزم وسائل الإعلام بتبني المواقف الحكومية، حُرم البحرينيون من التعبير بحرية عن آرائهم ومشاعرهم المتباينة إزاء النزاع الإقليمي وتداعياته، وهي قيود تُغذي التوتر الاجتماعي بدلًا من توفير مساحة للتنفيس والحوار العام.
وفي 9 مارس 2026، طالب مكتب النيابة العامة بتطبيق عقوبة الإعدام على بعض المعتقلين “نظرًا لتورطهم في أعمال تجسس”.
وفي 1 مارس 2026، خرجت حشود من الشيعة البحرينيين في مظاهرات سلمية حدادًا على وفاة المرشد الإيراني علي خامنئي، واحتجاجًا على الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
وفي 5 مارس، أعلن مجلس الدفاع المدني حظر الاحتجاجات “من أجل الحفاظ على السلامة العامة وتعزيز تدابير الحماية المدنية”.
وفي 19 مارس 2026، وثّقت هيومن رايتس ووتش حملة اعتقالات واسعة على خلفية النزاع، شملت مبرراتها نشر صور ومقاطع فيديو للأضرار داخل البحرين، أو إرسالها إلى جهات خارجية، أو نشرها على الإنترنت.
كما اعتُقل آخرون بسبب مشاركتهم في مظاهرات أو التعبير عن آرائهم السياسية.
فعلى سبيل المثال، في 3 أبريل 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس أن حسين فتيّل (21 عامًا) وأحد أصدقائه نشرا مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يتم توقيفهما من قبل عناصر بملابس مدنية.
وأفاد بأن الشابين أجريا اتصالًا واحدًا مع عائلتيهما، قبل أن يُبلّغ حسين بعد ثلاثة أيام بتوجيه خمس تهم إليه، بينها “إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وإثارة الكراهية والخيانة”.
وفي 7 أبريل 2026، استُدعي الناشط البيئي والفنان محمد جواد حميد، ولا يزال رهن الاحتجاز بعد تمديد فترة توقيفه.
وفي 23 أبريل 2026، نشرت جمعية البحرين لحقوق الإنسان إحصائية محدّثة حول الاعتقالات المرتبطة بالنزاع، تضمنت:
309 معتقلين منذ بدء الحرب، بينهم أربع نساء وثمانية غير بحرينيين
الإفراج عن 25 شخصًا، بينهم ست نساء
284 شخصًا لا يزالون قيد الاحتجاز
إحالة 17 إلى مركز احتجاز الحوض الجاف
اعتقال 24 قاصرًا
تسجيل حالة وفاة واحدة داخل الاحتجاز (محمد الموسوي)
وطالبت المنظمات حكومة البحرين بالتحرك الفوري للحد من التوترات المجتمعية والطائفية، عبر تنفيذ توصيات هيئات الأمم المتحدة والشركاء الدوليين، مثل الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة.
ودعت إلى إنهاء الخنق الفعلي للبيئة الإعلامية والتعبير الرقمي وغير الرقمي، من خلال تعديل قوانين الملكية والإلغاء الفعلي للتشريعات التي تُجرّم التعبير النقدي.
كما طالبت بإلغاء قوانين العزل السياسي الصادرة عام 2018، وضمان التزام الحكومة الكامل بمعايير حقوق الإنسان الدولية.
وشددت على ضرورة اتخاذ تدابير ملموسة لضمان حرية الإعلام، ومساءلة السلطات لضمان إجراء انتخابات تتوافق مع المادة 25 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
