تتصاعد حدة التوتر الداخلي في البحرين مع اتهامات متزايدة من قوى المعارضة لسلطات النظام الخليفي باتباع نهجا تصعيديا يستهدف الطائفة الشيعية، في وقت تتكثف فيه حملات الاعتقال والأحكام القضائية.
وأصدرت عدة قوى معارضة، من بينها جمعية الوفاق الوطني الإسلامية وجمعية العمل الإسلامي (أمل)، بيانًا مشتركًا اعتبرت فيه أن السلطات “وضعت نفسها أمام مقامرة خاسرة” عبر تصعيد يستهدف الهوية الدينية والاجتماعية للطائفة الشيعية.
وأكدت المعارضة أن أكثر من 40 رجل دين، بينهم علماء وأساتذة حوزة وأئمة مساجد، تعرضوا للاعتقال أو الملاحقة، في خطوة وصفتها بأنها “تصعيد غير مسبوق”، معتبرة أن الإجراءات تجاوزت الإطار السياسي لتطال البنية الدينية للمجتمع.
وترى هذه القوى أن استهداف المؤسسة الدينية الشيعية يمثل تحولًا نوعيًا في سياسات الدولة، محذرة من أن ذلك قد يؤدي إلى تعميق الانقسام الداخلي.
وفي موازاة ذلك، أصدرت المحاكم البحرينية سلسلة أحكام بالسجن بحق عدد من المواطنين، تراوحت بين ثلاث سنوات والسجن المؤبد، في قضايا مرتبطة بالتعبير عن الرأي أو التضامن مع شخصيات دينية.
وشملت الأحكام السجن المؤبد على الشاب علي عبد الحسين، إضافة إلى أحكام متفاوتة بحق عدد من المواطنين، بينهم مهدي الجلاوي الذي حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، والمواطنة بدور عبد الحميد علي التي صدر بحقها حكم بالسجن المؤبد.
كما طالت الأحكام آخرين بتهم تتعلق بالتعبير أو التضامن، في وقت جددت فيه النيابة حبس الكاتب خليل بو هزاع على ذمة التحقيق.
وامتدت الانتقادات لتشمل القطاع الاقتصادي، حيث اتهمت المعارضة شركة بابكو بفصل أكثر من 25 موظفًا بحرينيًا في خطوة تمييزية ذات دوافع طائفية، ما يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي.
ويرى مراقبون أن تداخل الإجراءات الأمنية مع القرارات الاقتصادية يعمق الشعور بالاستهداف لدى شريحة من المواطنين، ويزيد من تعقيد المشهد الداخلي.
ودعت قوى المعارضة إلى التعبير السلمي عن الغضب، من خلال تحركات شعبية تشمل التواجد في المساجد، وتنظيم فعاليات ميدانية، وزيارة عائلات المعتقلين، في محاولة لإظهار التضامن.
في المقابل، حذرت من أن استمرار هذه السياسات قد يدفع البلاد نحو مزيد من التوتر، معتبرة أن “الشعوب لا يمكن إخضاعها بالقوة”، وأن الضغط المتزايد قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
كما وجهت المعارضة انتقادات حادة للمجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية، متهمة إياها بالصمت تجاه ما يجري، وداعية إلى تدخل عاجل لوقف التصعيد.
يأتي ذلك فيما تواصل حكومة البحرين تجريم حرية الرأي والتعبير والحريات الصحافية، وعمل المعارضة وقطاعًا عريضًا من مؤسسات المجتمع المدني، عبر قوانين تنتهك التزامات البحرين الدولية في مجال حقوق الإنسان، وذلك من خلال فرض قيود مشددة على ملكية وسائل الإعلام، والاعتقال التعسفي لكل من يُعبّر عن آرائه بصورة سلمية عبر الإنترنت أو في التجمعات السلمية.
وقال بيان مشترك صادر عن تسع منظمات حقوقية، تلقى “بحريني ليكس” نسخة منه، إن القمع المستمر في البحرين أسفر عن خنق الإعلام والتعبير الإلكتروني، وتقييد حقوق الناس في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات تقييدًا صارمًا.
وأكدت المنظمات أنه يتعين على الحكومة البحرينية الإسراع في تعديل قوانين ملكية وسائل الإعلام والقوانين المتعلقة بالتعبير، وذلك وفاءً بالتزاماتها في مجال حقوق الإنسان.
وبحسب المنظمات، تكشف تصرفات السلطات البحرينية عن رفضها للدور المحوري الذي تؤديه وسائل الإعلام الحرة والمستقلة والتعددية في بناء السلام والأمن الدائمين.
إذ تحتكر الحكومة جميع وسائل البث الإعلامي الوطنية المرئية والمسموعة، فيما يُدير أبرز الصحف الخاصة أشخاص ذوو صلات وثيقة بالحكومة، ما يحول دون وجود أي وسائل إعلام مستقلة قادرة على العمل في البحرين.
وعلاوة على ذلك، أغلقت حكومة البحرين في عام 2017 صحيفة «الوسط»، التي كانت الجريدة المستقلة الوحيدة في البلاد.
وتُجرّم التشريعات القمعية التعبير السلمي في البحرين. ففي 30 أكتوبر 2025، أصدر الملك قانون الصحافة والإعلام الإلكتروني رقم (41) لسنة 2025، والذي يمثل تراجعًا خطيرًا عن الالتزامات الدستورية والدولية لحرية الرأي والتعبير والحريات الصحافية، ويوسّع الرقابة المسبقة والإجراءات الإدارية العقابية لتشمل الإعلام الرقمي، مع إبقاء أبواب الملاحقة الجنائية مفتوحة عبر التشريعات الأخرى، وفي مقدمتها قانون العقوبات وقانون الإرهاب.
ويُعد هذا القانون انتكاسة لتعارضه الصارخ مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المادة 19)، الذي تُعد البحرين دولة طرفًا فيه، والذي يشترط أن تكون القيود على حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة محددة بدقة، وضرورية، ومتناسبة مع غاية مشروعة.
