اتهمت رابطة الصحافة البحرينية السلطات البحرينية بالدخول في مرحلة جديدة من التضييق على الحريات العامة خلال النصف الأول من عام 2026، عبر توسيع نطاق الملاحقات الأمنية والقضائية لتشمل مختلف أشكال التعبير السلمي، وربط الآراء السياسية والمعتقدات الدينية والأنشطة الإعلامية بمفاهيم “الخيانة” و”الإضرار بالأمن الوطني” بهدف إعادة تشكيل المجال العام على أسس أمنية أكثر تشددًا.
ووصف التقرير الحقوقي هذه المرحلة بأنها تمثل ما سماه “مكارثية جديدة”، في إشارة إلى نمط من الملاحقات يقوم على تجريم الآراء والانتماءات والمعتقدات أكثر من تجريم الأفعال، وربط التعبير السلمي والولاءات الدينية بتهم تتعلق بالأمن القومي والتعاطف مع “العدو”، وهو ما قالت إنه أدى إلى خلق مناخ واسع من الخوف والرقابة الذاتية داخل المجتمع.
ورأت الرابطة أن الحرب الإسرائيلية–الأمريكية على إيران شكلت نقطة تحول في السياسة الأمنية داخل البحرين، إذ وفرت، وفق التقرير، مبررًا لتشديد الرقابة على المجال العام، وتوسيع استخدام قوانين الجرائم الإلكترونية والأمن الوطني ضد الصحفيين والمصورين والنشطاء ورجال الدين ومستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى المشاركين في الشعائر الدينية.
ووثق التقرير ما لا يقل عن 181 حالة اعتقال وتوقيف مرتبطة بحرية الرأي والتعبير أو النشر أو المشاركة في الشعائر الدينية خلال الأشهر الستة الأولى من العام، إضافة إلى 25 حالة منع لعلماء دين ومنشدين من المشاركة في مراسم عاشوراء، و16 حكمًا بالسجن على الأقل، فضلًا عن مئات الاستدعاءات والتحقيقات والإحالات إلى المحاكمة.
وأكدت الرابطة أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى فقط من الحالات التي أمكن التحقق منها، مرجحة أن يكون العدد الفعلي أعلى من ذلك.
وأشارت إلى أن البحرين واصلت، بحسب وصفه، سياسة التضييق الممتدة منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، والتي شهدت اعتقال مئات الصحفيين والمصورين ونشطاء المجتمع المدني، وإصدار أحكام اعتبرها التقرير قاسية في قضايا مرتبطة بحرية التعبير، مع استمرار غياب الصحافة المستقلة وتراجع التعددية الإعلامية داخل البلاد.
وسلط التقرير الضوء على قضية الناشط السياسي إبراهيم شريف، الذي صدر بحقه حكم بالسجن ستة أشهر في يناير 2026 بتهم تتعلق بإهانة دول عربية ونشر أخبار كاذبة، قبل أن تؤيد محكمة الاستئناف إدانته مع استبدال عقوبة السجن بإلزامه بالمثول أسبوعيًا أمام مركز العقوبات البديلة، فيما قال فريق الدفاع إن إجراءات التحقيق والاعتقال شابتها مخالفات قانونية.
كما تناول التقرير حملة الاعتقالات التي أعقبت الضربات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي شهدتها البحرين خلال الحرب، مشيرًا إلى أن السلطات بدأت باستدعاء واعتقال مواطنين بسبب نشر مقاطع فيديو أو صور توثق الأحداث، حتى قبل صدور تعليمات رسمية تحظر التصوير أو تداول المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية.
وذكر التقرير أن وزارة الداخلية وجهت لاحقًا اتهامات للموقوفين بإساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتقويض الأمن العام وإثارة الذعر.
وتوقف التقرير عند قضية المصور سيد باقر الكامل، الذي استدعي للتحقيق بعد نشره مقاطع مصورة تتعلق بالضربات الجوية على قاعدة الجفير العسكرية، قبل أن يصدر بحقه حكم بالسجن عشر سنوات، أيدته محكمة الاستئناف لاحقًا، معتبرًا أن القضية تمثل نموذجًا لتجريم التغطية البصرية للأحداث.
وأشار التقرير إلى أن السلطات البحرينية صعدت خطابها خلال فترة الحرب، إذ استخدمت أوصافًا مثل “الخيانة العظمى” بحق أشخاص اتهموا بتصوير مواقع عسكرية أو نشر مقاطع فيديو أو التعبير عن مواقف اعتبرتها السلطات متعاطفة مع إيران، كما نشرت في بعض الحالات أسماء المتهمين وصورهم قبل صدور أحكام قضائية، وهو ما اعتبرته الرابطة انتهاكًا لمبدأ قرينة البراءة.
وأورد التقرير سلسلة من الاعتقالات التي طالت عشرات الأشخاص خلال شهري مارس وأبريل، بتهم تراوحت بين نشر أخبار كاذبة، وتصوير مواقع عسكرية، والتعاطف مع الهجمات الإيرانية، والحصول على معلومات حساسة، مؤكدًا أن السلطات وسعت نطاق الاتهامات لتشمل إعادة نشر المحتوى والتعبير عن الآراء عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ملف الاحتجاز، أفرد التقرير مساحة واسعة لقضية محمد الموسوي، الذي توفي أثناء احتجازه بعد اختفائه لأيام، مشيرًا إلى أن وزارة الداخلية أعلنت أنه توفي أثناء وجوده لدى جهاز المخابرات الوطني، بينما دعت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان إلى إجراء تحقيق فوري ومستقل في الوفاة، يشمل مزاعم الاختفاء القسري والتعذيب.
كما أشار التقرير إلى استدعاء واحتجاز ناشطين كتبوا تعليقات تنتقد الحادثة أو طالبوا بالتحقيق فيها.
واتهم التقرير السلطات بتوسيع القيود لتشمل المجال الديني، مؤكدًا أن الاستعدادات لموسم عاشوراء شهدت تعليمات للمطابع بعدم طباعة بعض الشعارات الدينية، وفرض تعهدات على العاملين، ومنع عدد من الشعارات التقليدية، إضافة إلى فرض قيود على المواكب الحسينية ومنع عشرات رجال الدين والمنشدين من المشاركة في المراسم دون إبداء أسباب معلنة.
كما وثق التقرير اعتقال عدد من القاصرين، ورؤساء المآتم، والخطباء، والمنشدين الدينيين، ومشاركين في المواكب الحسينية، بسبب ما وصفه بعدم الالتزام بالتعليمات أو المشاركة في الشعائر، معتبرًا أن هذه الإجراءات تعكس انتقال القيود من المجال السياسي إلى المجالين الديني والثقافي.
وتناول التقرير كذلك انتقاد السلطات لتقرير نشرته وكالة “رويترز” حول البحرين، معتبرًا أن رد الحكومة على التقرير يعكس حساسية متزايدة تجاه أي تغطية إعلامية خارجية تتناول أوضاع البلاد أو الانقسام الطائفي، في وقت تؤكد فيه السلطات رفضها لما تصفه بالمعلومات غير الدقيقة والإيحاءات المسيئة.
وفي ختام التقرير، قالت رابطة الصحافة البحرينية إن جانبًا كبيرًا من إجراءات القبض والتحقيق والمحاكمة شابه، بحسب توثيقها، إخلال بضمانات المحاكمة العادلة، مع ورود شهادات عن التعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من التواصل الفوري مع المحامين أو الاطلاع على ملفات القضايا في الوقت المناسب.
واعتبرت الرابطة الحقوقية أن تكرار هذه الأنماط، وتزامن الاعتقالات، وتشابه الاتهامات، يشير إلى وجود نهج منظم ذي طابع سياسي أكثر من كونه استجابة لمخالفات جنائية محددة.
ودعت الرابطة إلى الإفراج عن جميع المحتجزين الذين أوقفوا بسبب ممارستهم السلمية لحرية الرأي أو الشعائر الدينية، ووقف استخدام قوانين الأمن الوطني والجرائم الإلكترونية ضد التعبير السلمي، وإجراء مراجعة قضائية مستقلة للأحكام الصادرة في هذه القضايا، والتحقيق في مزاعم التعذيب والانتهاكات الإجرائية.
كما طالبت المقررين الخاصين بالأمم المتحدة المعنيين بحرية الرأي والتعبير واستقلال القضاء والاحتجاز التعسفي وحرية الدين بزيارة البحرين وتقييم أوضاع الحقوق والحريات على أرض الواقع.
