يكشف تصاعد التوتر العسكري في الخليج عن دور خطير للنظام الخليفي الحاكم في البحرين في جر البلاد إلى قلب الحروب الإقليمية، في وقت تتزايد فيه الانتقادات الداخلية لتحالف المنامة العسكري الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو تحالف يرى غالبية البحرينيين أنه يعرّض البلاد لمخاطر أمنية جسيمة.
وأكدت صحيفة نيويورك تايمز أن مقطع فيديو تم التحقق منه يظهر إطلاق صواريخ باليستية من الأراضي البحرينية باتجاه إيران، في ما يبدو أنه أول هجوم مؤكد ينطلق من دولة خليجية ضد إيران منذ اندلاع الحرب الأخيرة في المنطقة.
ويثير هذا التطور تساؤلات واسعة حول الدور الذي تلعبه البحرين في العمليات العسكرية الجارية، خصوصاً في ظل وجود عسكري أمريكي كثيف على أراضيها.
وتستضيف البحرين مقر الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، وهو أحد أهم المراكز العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل المملكة الصغيرة جزءاً أساسياً من البنية العسكرية الأمريكية في المنطقة.
لكن الفيديو الذي نشر على وسائل التواصل الاجتماعي في السابع من مارس أثار جدلاً واسعاً بعد أن أكدت صحيفة نيويورك تايمز أنه صُوّر قرب منطقة سكنية ومطار في شمال البحرين.
ويظهر المقطع إطلاق صاروخين باليستيين في السماء تاركين خلفهما مسارات من الدخان الأبيض قبل أن يتجها شمالاً فوق البحر باتجاه إيران.
وقال خبراء دفاع راجعوا اللقطات إن أحد الصواريخ على الأقل أُطلق باستخدام معدات أمريكية الصنع.
وأشار محللون إلى أن منصة الإطلاق الظاهرة في الفيديو تبدو شاحنة من طراز M142 HIMARS، وهي منظومة صاروخية متقدمة تستخدمها القوات الأمريكية في عملياتها العسكرية.
وأكد ويس جاي براينت، وهو محلل أمن قومي خدم سابقاً في القوات الجوية الأمريكية، أن شكل منصة الإطلاق ومسار الصاروخ يشيران إلى استخدام منظومة هيمارس.
كما قال فابيان هوفمان، المتخصص في شؤون الصواريخ بجامعة أوسلو، إن المعطيات البصرية في الفيديو تتطابق مع هذه المنظومة الأمريكية.
ولم يتضح من الفيديو ما إذا كانت الصواريخ أُطلقت من قبل القوات الأمريكية أو البحرينية، غير أن وجود القواعد العسكرية الأمريكية في البلاد يعزز احتمالات تورط القوات الأمريكية في العملية.
وقد التزمت الحكومة البحرينية الصمت بشأن ما إذا كانت تسمح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها منصة لشن هجمات ضد إيران.
واكتفت الحكومة البحرينية بالقول لصحيفة نيويورك تايمز إن قواتها المسلحة “لم تشارك في أي عمليات هجومية”. لكن هذا النفي لم يبدد المخاوف من أن الأراضي البحرينية تحولت عملياً إلى منصة عسكرية في الحرب الدائرة.
ومنذ بداية الحرب أطلقت إيران أكثر من 100 صاروخ و191 طائرة مسيرة باتجاه البحرين، بحسب بيانات رسمية للحكومة البحرينية.
وتقول السلطات إن معظم هذه الهجمات تم اعتراضها، إلا أن الهجمات خلفت أضراراً في البنية التحتية المدنية شملت مصفاة نفط وفنادق ومحطة لتحلية المياه.
كما أعلنت السلطات مقتل امرأة بحرينية تبلغ من العمر 29 عاماً إثر سقوط صاروخ على مبنى سكني في العاصمة المنامة.
ويعتقد محللون أن هذه الهجمات تمثل جزءاً من الرد الإيراني على استخدام أراضي بعض دول الخليج كمنصات للهجمات الأمريكية.
وتنفي معظم حكومات الخليج السماح باستخدام أراضيها لشن عمليات عسكرية ضد إيران، في محاولة لتجنب الانجرار المباشر إلى الحرب.
لكن وضع البحرين يختلف عن غيرها من دول الخليج بسبب الوجود العسكري الأمريكي المكثف والتكامل العميق بين جيشها والقوات الأمريكية.
ويبرز خبراء أن الجيش البحريني يعد من أكثر الجيوش الخليجية ارتباطاً بالمنظومة العسكرية الأمريكية.
ويعكس حجم الجيش البحريني الصغير نسبياً طبيعة دوره الأساسي في حماية النظام الحاكم أكثر من مواجهة تهديدات خارجية.
فالبحرين التي يبلغ عدد سكانها نحو 1.6 مليون نسمة تعتمد بشكل كبير على الدعم العسكري الأمريكي. ويعود جزء كبير من التوتر الداخلي في البلاد إلى الانقسامات السياسية والطائفية التي شهدتها منذ سنوات.
وغالبية سكان البحرين من الشيعة، بينما تحكم البلاد أسرة ملكية سنية منذ عقود. وقد أدى هذا التفاوت السياسي إلى احتجاجات واسعة خلال انتفاضة عام 2011 التي طالبت بإصلاحات ديمقراطية، قبل أن يتم قمعها بقوة.
ولا يزال هذا الإرث السياسي يلقي بظلاله على العلاقة بين السلطة والمجتمع. وفي ظل الحرب الحالية يتزايد الغضب الشعبي من الدور العسكري الذي تلعبه القواعد الأمريكية في البلاد.
وتشهد البحرين باستمرار احتجاجات تطالب بإخراج القوات الأمريكية من الأراضي البحرينية.
وقال أحد المتظاهرين الذين شاركوا في احتجاجات الأسبوع الماضي إن وجود القوات الأمريكية في البحرين أصبح رمزاً لسياسات تجر البلاد إلى صراعات لا تخدم مصالح شعبها.
وأضاف المتظاهر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه خوفاً من الملاحقة، أن الولايات المتحدة “مصدر للحروب والأزمات في المنطقة”.
وتشير تقارير إلى أن الدعوات لطرد الجيش الأمريكي أصبحت شعاراً متكرراً في الاحتجاجات الشعبية في البحرين.
ويزيد استمرار النظام الخليفي في الارتباط الوثيق بالتحالفات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية من الاحتقان الداخلي. كما أن تحويل البحرين إلى منصة عسكرية في صراعات إقليمية قد يعرض البلاد لمزيد من المخاطر الأمنية.
